* شهيد نكد
إذا كانت الكوارث الكبرى لا تقع دفعة واحدة بحسب نظريّة “الجبنة السويسرية”، بل نتيجة اصطفاف ثقوب صغيرة في طبقات الحماية، يبقى السؤال: ما الذي يصنع هذه الثقوب، وما الذي يمنع إغلاقها حتى بعد وقوع الكارثة؟
يقف منطق واحد خلف عدد كبير من هذه الثقوب: الاستثناء. فمسؤول أو مؤسسة أو شركة أو حتّى مواطن يعتقد أن موقعه يسمح له بتجاوز القاعدة. من هنا ننتقل من نظرية الثقوب إلى السؤال الذي تقوم عليه رواية “الجريمة والعقاب” لدوستويفسكي: ماذا يحدث عندما يقتنع الإنسان بأنّه استثنائي، وأن من حقّه تجاوز القانون؟
تبدأ الجريمة فكرياً عند دوستويفسكي عندما يُقسّم راسكولنيكوف الناس إلى عاديين عليهم الالتزام بالقواعد، واستثنائيين يحقّ لهم تجاوزها إذا كانوا يحملون فكرة كبرى. وهنا كان الاختبار لموقعه: هل هو إنسان عادي يخضع للقانون، أم شخص استثنائي يستطيع تجاوزه؟
الجريمة التي بدأت قبل 4 آب
يفتح سؤال راسكولنيكوف الباب لقراءة جريمة 4 آب، ليس من زاوية الإهمال والفساد وتضارب الصلاحيات فقط، بل من منطلق وجود نظريّة غير مدوّنة تحكم سلوك الطبقة السياسية والإدارية في لبنان. فالمسؤول الاستثنائي يحقّ له ما لا يحقّ لغيره، وقضاياه الكبرى تستطيع تعليق القانون، وموقعه يُخضِع القاعدة بدل أن يَخضع هو لها. لم تقع الجريمة الساعة السادسة وثماني دقائق من مساء الرابع من آب، بل سبقتها من خلال المراسلات والتحذيرات والقرارات المؤجلة والمسؤولين الذين عرفوا بالخطر، ومع ذلك بقيت نيترات الأمونيوم في العنبر 12. لم يكن لبنان يومها، ولا قبله، ولا اليوم يفتقر إلى القوانين أو المؤسسات، لكنّه كان يومها، وقبله، واليوم يفتقر إلى قاعدة واحدة تُطبّق على الجميع. وعندما تقترب المساءلة من المسؤول يدفعها عنه بوساطة قضيّة أقوى من القانون: المقاومة، حماية الطائفة، الاستقرار، منع الفتنة. والاستعمال المتكرّر لهذه القضايا أنتج مبدأ عدم جواز التعامل مع أشخاص معيّنين كمواطنين عاديين أمام القانون.
مجتمع يُطالب بحصّته من الاستثناء
لكن هؤلاء الأشخاص المعيّنين صاروا كثيرين جداً على أثر تسرّب الاستثنائية من الطبقة السياسية والأمنية إلى المجتمع. يتعدّى شخص على الطريق أو الرصيف أو الجبل أو الشاطئ، أو حتّى شركة إسمنت على الصحّة العامة، لضرورات خاصّة تجعلهم في نظرهم، استثناءً مشروعاً. طبعاً، لا مساواة بين الأفعال، فمن يعتدي على رصيف ليس كمن يملك قرار منع وقوع كارثة، لكن المنطق واحد: أنا أملك سبباً خاصاً يعفيني من القاعدة العامة.
أصبح المواطن لا يتمرّد على الاستثناء، بل يُطالب بحصّته فيه، ولا يسأل لماذا القاعدة غير عادلة ولا تسري على الجميع، بل يسأل كيف يحصل هو أيضاً على واسطة أو غطاء يحرّره منها. وهكذا نشأت علاقة دائرية بين تساهل المجتمع مع الاستثناء وازدياد سلطة السياسي والمسؤول؛ كلّ منهما يُغذّي الآخر.
امتحان العدالة
يكتشف راسكولنيكوف أنّ الإفلات من القضاء لا يعني التحرّر من الجريمة، وأن عقابه يبدأ قبل المحاكمة. وفي لبنان، لا نستطيع معرفة ما يشعر به المسؤولون في داخلهم، إلّا أنّنا نستطيع معاينة ما أنتجه النظام من تحصين المسؤول من تبعات الجريمة عبر الحزب والطائفة والحصانة. وبدلاً من أن يُجيب عن سؤال “ماذا فعلت؟”، يتحوّل إلى سؤال “لماذا تستهدفوننا؟” هكذا تَضيع المسؤولية الفردية وتتلطّى خلف هويّة الجماعة.
لكن العقاب الداخلي، وإن وُجد، لا يحقّق العدالة العامة. فالنّدم يخصّ الفرد، أمّا المجتمع فلا يسترجع القاعدة التي انتهكتها الجريمة إلّا من خلال محاسبة قضائية علنية. وهنا تُصبح وظيفة العقوبة هي إسقاط الاستثنائية عن المسؤول وليس الانتقام منه، وعندما تغيب المحاسبة يكون مفاد الرسالة الموجّهة إلى المجتمع أنّ القاعدة قابلة للتعليق. لذلك لا تُقاس العدالة في جريمة 4 آب بما يكشفه التحقيق فقط، بل بالقدرة على إصدار حكم يُعيد رسم الحدود بين المسؤولية والحصانة، وبين الخضوع للقانون والعيش فوقه.
واليوم، بعد أن أنهى القاضي طارق البيطار تحقيقاته وأحال الملف إلى النيابة العامة التمييزية، نقف أمام معضلة حقيقية. فقد تزامن تقدّم التحقيق مع تعديل طرأ على موازين القوى الداخلية والإقليمية. فإذا أفضى المسار إلى محاكمات وأحكام بعد سقوط الحماية السياسية عن بعض المدعى عليهم، فما الذي يضمن ألّا تُقرأ العدالة باعتبارها انعكاساً لموازين القوى السياسية؟ وقد اختبر لبنان هذه المعضلة بعد اتفاق الطائف، حين اعتُقل سمير جعجع سنة 1994 في سياق قضية تفجير كنيسة سيدة النجاة. وقعت محاكمته تحت الهيمنة السورية، فقرأها جزء من اللبنانيين باعتبارها استهدافاً لخصم سياسي فقد الحماية، ثم تبدّل ميزان القوى بعد الانسحاب السوري سنة 2005، فأُقرّ عفو خاص عنه وأُطلق سراحه. هكذا بدا السجن نتيجة مرحلة سياسية، كما بدا العفو نتيجة مرحلة سياسية أخرى، وفشلت المحاكمة في تأسيس معيار عام للمحاسبة. لكن الخوف من تكرار هذه التجربة لا يبرّر تعليق محاكمة المرفأ، ولا يكون الخروج من المعضلة بتوزيع الاتهامات طائفياً، بل بوحدة المعايير، واحترام حقوق الدفاع، وعلنية المحاكمة، وقرار اتهامي معلّل يشرح الأدلة ويجيب عن الفرضيات التي شغلت الرأي العام منذ وقوع الانفجار. فالعدالة لا تثبت استقلالها بتأجيل الحكم، بل بقدرتها على إصدار الحكم نفسه، مهما كانت هوية المتهم وموقعه في ميزان القوى. وتزداد الحاجة إلى محاكمة شفافة لأن الغموض رافق الجريمة منذ لحظتها الأولى خصوصاً الفرضية حول دور لإسرائيل، ونتائج مشاركة الخبراء الفرنسيين ومكتب التحقيقات الفيديرالي الأميركي التي لم تُعرض كاملة أمام الرأي العام. وكانت “هيومن رايتس ووتش” قد أشارت إلى غموض دور هؤلاء الخبراء.
فوق القانون
ولا تقتصر الاستثنائية على المسؤولين في ملف المرفأ. فقد ظهرت أخيراً في مشاركة المصرفي أنطون صحناوي في عشاء بواشنطن حضره رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، فيما لا يزال لبنان يتعامل رسمياً مع إسرائيل بوصفها دولة عدوة، ولا يزال قانون مقاطعتها نافذاً. والسؤال الذي تطرحه هذه الواقعة هو: هل يستطيع صاحب المال والنفوذ أن يتصرّف كأن القانون الذي يقيّد غيره لا يعنيه؟ وللمشهد بُعد أخلاقي أيضاً؛ فالجلوس مع نتنياهو، فيما لا تزال عائلات لبنانية تحمل آثار الاعتداءات الإسرائيلية وتنتظر إنصافاً لضحاياها، ليس فعلاً اجتماعياً محايداً، بل تعبير إضافي عن اعتقاد النافذ بأن موقعه يسمح له بالقفز فوق القانون والذاكرة العامة معاً.
لقد سئمنا في لبنان من الاستثناءات: سئمنا ممّن يغامر باللبنانيين بذريعة قضية يعتبرها فوق إرادتهم، ومن اقتصاد الموت الذي يقدّم الربح والنفوذ مبرّراً للاعتداء على صحتهم وحقوقهم وطبيعتهم، ومن إسرائيل التي تمنح نفسها، باسم أمنها وتفوّقها الأخلاقي المزعوم، استثناءً من القانون والمساءلة عن جرائمها.
في النهاية، اكتشف راسكولنيكوف أن لا أحد يُصبح فوق القاعدة لمجرّد اقتناعه بأنه استثنائي. وبعد ست سنوات على الرابع من آب، كلّ ما نحتاجه هو قاعدة واحدة لا يقف فوقها أحد.
* تم النشر بتاريخ 1 آب 2026 على موقع المدن
