سياسة مجتمع

نهاية النفوذ الإماراتي لا يعني نهاية أوجاع اليمن “السعيد”!

د. زهير هواري

بيروت 6 كانون الثاني 2026 ـ بيروت الحرية

سريعا سحبت دولة الامارات العربية المتحدة قواتها من اليمن. وأعلنت وزارة الدفاع إنهاء ما تبقى من “فرق مكافحة الإرهاب”، على خلفية التطوّرات التي تشهدها الساحة في الجنوب. وقالت الوزارة، في بيانها “إنّ القرار يأتي لحماية سلامة عناصرها، وفي إطار تقييم شامل لمتطلبات المرحلة، وبما ينسجم مع التزامات الإمارات تجاه أمن المنطقة”، وأضاف البيان أن القوات المسلحة الإماراتية أنهت وجودها العسكري في اليمن عام 2019، باستثناء فرق متخصّصة بمكافحة الإرهاب، جرى الإبقاء عليها بالتنسيق مع الشركاء الدوليين. وبعدها انهارت البنية العسكرية – السياسية التي أقامتها دولة الامارات والقوى الملحقة بها في محافظتي حضرموت والمهرة وبعض المناطق الشرقية الجنوبية لليمن. وهي المناطق التي تحاذي كل من سلطنة عمان شرقا والمملكة العربية السعودية شمالا. وكانت الامارات قد مارست حضورها في اليمن من خلال التحالف العربي الذي تقوده السعودية أولا ثم المجلس الانتقالي الجنوبي، وهو بمثابة هيئة سياسية تعتبر أن من حقها أن تمارس السلطة في عدن ومحافظات الجنوب على نحو كامل، لا أن تتقاسمها مع القوى والشخصيات الوافدة من الشمال بفعل سيطرة الحوثيين عليها. وقد عملت الامارات على تركيز ثقلها أيضا في تنفيذ استثمارات في جزيرة سوقطرة وآبار النفط في حضرموت وميناء المكلا وغيرها. وميليشيا المجلس الانتقالي سعى إلى تحقيق تقسيم إضافي على خارطة اليمن انطلاقا من الجنوب، باعتبار أن منطقة الشمال التي تضم العاصمة صنعاء والعديد من المحافظات والمدن والموانئ هي في قبضة الحوثيين. ومن شأن هذا التحرك كان أن يقود إلى تحويل المعركة من مواجهة مع الحوثيين، إلى مواجهة داخلية في المعسكر المضاد للفريق الحوثي الذي يحظى بدعم ومساندة ايران كما هو معروف، والذي عطل الملاحة في البحر الأحمر على نحو كامل نسبيا منذ أكثر من عام، واضطر البواخر التي كانت تتجه منه نحو قناة السويس إلى الدوران حول رأس الرجاء الصالح في رحلة ضاعفت من الوقت والاكلاف على المنتجين والمستهلكين. إلى مواجهة داخل المعسكر الذي تقوده المملكة العربية السعودية، ما يعني منح الحوثيين فرصا أفضل لزيادة وزنهم السياسي والقتالي في المواجهات الداخلية والخارجية.

على أن الانهيار وعودة السلطة للامساك بمقاليد الامور لا يعني أن اليمن الجنوبي سينعم بالاستقرار والأمن الكاملين، خصوصا وأن اعتبار عدن بمثابة عاصمة له فاقم المشكلات الموروثة منذ عقد التسعينيات من القرن الماضي، عندما جرى تحقيق وحدة الشمال والجنوب بما تضمه من الاشكاليات التي حملتها هذه العملية. اذ سيظل اليمن برمته محكوما بالصراع القبلي الذي يعانيه، وكذلك موقع تجاذب وسط منطقة تعاني من عدم استقرار في جغرافيتها وكياناتها وتحالفاتها. وخروج قوات الامارات على جناح السرعة لا يعني “نهاية النفوذ” الاماراتي، الذي تلقى ضربة كبرى بعد أن اضطر للانسحاب تحت وطأة غارات قام بها سلاح الطيران الحربي السعودي على الأعتدة والآليات التي نقلتها سفينتان امارتيان إلى ميناء المكلا. ما دفع بالسلطات اليمنية إلى الاستعانة بالقوة السعودية لتعديل ميزان القوى الذي اختل لصالح المجلس الانتقالي الذي ترافق مع الهجوم المباغت الذي تعرضت له مواقع درع الوطن، أي جيش السلطة اليمينية التي يمثلها مجلس القيادة برئاسة رشاد محمد العليمي والحكومة الشرعية المعترف بها دوليا. خصوصا مع لجوء العليمي إلى المملكة وطلبه دعمها. وكان الانسحاب الاماراتي بمثابة رضوخ لأحكام القصف الجوي واستجابة لمطلب رئاسي يمني بمغادرة قوات الامارات من اليمن، وإنهاء وجودها العسكري خلال 24 ساعة، وبدعم قائدة التحالف العربي، المملكة العربية السعودية.  التي واكبت ذلك بتوجيه انذار لدولة الامارات من خلال بيان صدر عن اجتماع لمجلس الوزراء تراسه الملك سلمان بن عبد العزيز، دعتها فيه إلى سحب قواتها من الأراضي اليمنية خلال 24 ساعة، وإيقاف أي دعم عسكري أو مالي للمجلس الانتقالي الجنوبي، أو لأي طرف آخر داخل اليمن، مؤكدة أن أي تهديد لأمنها الوطني هو “خط أحمر” ستواجهه بكل الإجراءات اللازمة.

وأعربت المملكة عن التزامها بأمن اليمن واستقراره وسيادته، ودعمها الكامل لرئيس وحكومة مجلس القيادة الرئاسي اليمني. وقدّر المجلس دور تحالف دعم الشرعية في اليمن في حماية المدنيين بمحافظتَي حضرموت والمهرة، استجابة لطلب القيادة اليمنية، وخفض التصعيد؛ تحقيقاً للأمن والاستقرار ومنعاً لاتساع دائرة الصراع.

وقد رأت المملكة أن التقدم الذي حققه المجلس الانتقالي نحو محافظتي حضرموت والمهرة والسيطرة على مرافقهما الجوية والبحرية ومدنهما وقواعدهما العسكرية يشكل تهديدا لأمن المملكة والجمهورية اليمنية وسلطنة عُمان على حد سواء. أي أن ترك الحبل على غاربه لقوات الامارات والميليشيات اليمنية الملحقة بها من شأنه أن يقود إلى فوضى، لا بد وأن تترك بصماتها على الدول الثلاثة المذكورة أعلاه، وعلى توازنات القوى في منطقة بحر العرب وجنوب الجزيرة العربية بأسره، كما يمكن له أن يقود إلى فتح الطريق أمام البواخر الإيرانية المحملة بالأسلحة في التوجه نحو باب المندب فميناء الحديدة اليمني على البحر الأحمر.

واندلعت الأزمة في شرق اليمن على خلفية سيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي الذي انطلق من عدن على محافظتي حضرموت والمهرة في الثالث من ديسمبر/ كانون الأول العام الماضي، ما شكل منعطفاً بالغ الأهمية في التنافس المحتدم بين كل من الامارات والمملكة العربية السعودية. وكانت طليعة الاشتباك تمثلت بقصف طيران المملكة شحنة أسلحة وأعتدة إماراتية في ميناء المكلا، بعد أن تلكأت الامارات في اعادتها من حيث أتت، بالتوازي مع طلب العليمي انسحاب القوات  الإماراتية من جميع مواقعها في اليمن، وقام بإعلان حالة الطوارئ في عموم البلاد لمدة 90 يوماً قابلة للتمديد، وفرض حظرا جويا وبحريا وبريا مؤقتا على الموانئ والمنافذ لمدة 72 ساعة.

وما إن اندلعت المواجهة حتى تكرس الانشطار والاصطدام داخل القوى العسكرية اليمنية الجنوبية التي تضم في جانب، الجيش ووحدات درع الوطن الجنوبية ومجاميع قبلية مدعومة من السعودية، وفي جانب آخر قوات المجلس الانتقالي المدعومة اماراتيا مع قوى قبائلية أخرى، مطالبة بالعودة إلى دولة اليمن الجنوبي والانفصال عن الشمال. وكان المجلس أعلن عن تنفيذه “عملية المستقبل الواعد” التي أُفشلت بواسطة التدخل السعودي الجوي، ومسارعة الوحدات النظامية البرية إلى تنفيذ هجمات مركزة نجحت في إلحاق هزائم متلاحقة بقوات المجلس الانتقالي في المناطق التي سيطرت عليها في المحافظتين، بما فيه المرافق الحيوية في المدن كالمرفأ والمطارات وخطوط المواصلات والمواقع العسكرية، واضطرتها إلى اخلاء الثكنات وترك الآليات العسكرية على طرقات الانسحاب نحو مدينة عدن التي مثلت المنفذ الوحيد لها بموافقة القوات النظامية. أي العودة من حيث انطلقت. ولتبرير هجومها اتهمت القوات الجنوبية قوات العليمي بتهريب الأسلحة للحوثيين والتواطؤ مع التنظيمات الإرهابية، و”أن ما تقوم به من عمليات كان من أجل الحفاظ على ثروات حضرموت”. وأنها تشرك قوات درع الوطن الجنوبية في العمليات القتالية بهدف الحفاظ على المكتسبات المحققة على الأرض. وأن عملية التنظيم والانتشار الجديدة تتم بناءً على توجيهات القيادة السياسية للمجلس الانتقالي الجنوبي، ممثلة برئيسه عيدروس الزُبيدي، وبما ينسجم مع الجهود التي يبذلها التحالف العربي، ويضمن “أمن وسلامة الجنوب عموماً، وحضرموت والمهرة على وجه الخصوص”. لكن مع تطور القتال بادرت رموز وقادة التحرك الانقلابي بمغادرة اليمن تاركين مقاتليهم في المعمعة.

على أي حال، يبدو أن المعركة العسكرية وعمودها الفقري قوات الامارات العربية باتت بحكم المنتهية تقريبا، لكن ذلك لا يعني سوى عودة المشكلة الداخلية اليمنية – اليمنية إلى الظهور، فالمملكة العربية السعودية اكتفت وتكتفي بالتدخل الجوي، ولن تتورط في الاقتتال الداخلي نظرا لتعقيدات البنية القبائلية اليمنية. والآن  دعت السعودية إلى عقد مؤتمر حوار سياسي تستضيفه الرياض، وتشارك فيه السلطة الشرعية وجميع القوى الجنوبية بما فيه المجلس الانتقالي. وتناقش فيه الأوضاع من مختلف جوانبها للوصول إلى تجديد الاتفاقات السابقة، وتحديثها على ضوء ما حدث مؤخرا من اندلاع الصراعات التي تعبر عن انشقاقات في جبهة القوى المضادة للحوثيين. وحتى ينعقد المؤتمر الموعود يمكن القول إن المملكة السعودية قد استعادت نسبيا عملية الإمساك بالورقة اليمنية، دون أن يعني ذلك نهاية الأوجاع اليمنية التي تأتي من صراعات جميع الجهات المحيطة بها جغرافيا، يعززها تلك التركيبة القبائلية التي تنتج دوما صراعات وعنف لا يهدءآن.