بعلبك 13 كانون الاول 2025
نظم “التجمع النسائي الديمقراطي اللبناني” ندوة حوارية في قاعة الدكتور حبيب الجمال، في مجلس بعلبك الثقافي، لمناسبة حملة ال 16 يوما لمناهضة العنف ضد المرأة، تحت عنوان “تزويج الأطفال والطفلات، مسؤولية جماعية في مواجهة المخاطر والآثار”، شارك فيها مفتي بعلبك الهرمل الشيخ الدكتور بكر الرفاعي، راعي أبرشية بعلبك دير الاحمر المارونية المطران حنا رحمة، القاضي الشيخ عباس شريف، راعي أبرشية بعلبك الهرمل للروم الملكيين الكاثوليك المطران ميخائيل فرحا، رئيسة التجمع ليلى مروّة وفاعليات دينية وحقوقية واجتماعية.
النشيد الوطني اللبناني افتتاحا، ورحبت عريفة الندوة راوية صلح بالحضور، مؤكدة أن “هذا اللقاء الذي يجمع المرجعيات الدينية والاجتماعية والقانونية، يمس جوهر أطفالنا وكرامتهم ومستقبلهم، ويطرح تحديات ذات أبعاد دينية واجتماعية ونفسية وحقوقية”.
مروّة
تحدثت مروّة معتبرة أن “قضية تزويج القاصرات لا تختصر بحالات فردية، بل تمتد لتطال حياة، وصحة ونفسية ومستقبل وكرامة آلاف الفتيات في لبنان. فزواج القاصرات ليس تقليدا اجتماعيا فحسب، بل هو ممارسة تسقط حق الطفلة في أن تكبر، أن تتعلم، أن تختبر ذاتها، وأن تختار حياتها. هي ممارسة تحوّل الطفلة الى زوجة قبل الأوان، وأمًّا قبل النضج محمّلة بأعباء لا تحتمل وبتجارب تترك آثارها العميقة على هذه الأسرة ولا يمكننا تجاهلها”.
وأشارت إلى “قيام التجمع النسائي الديمقراطي في العام 2017 بحملة “مش قبل 18” التي شكلت خطوة جريئة في كسر التواطؤ الصامت حول سن الزواج في لبنان”، لافتة إلى “تقديم مشروع قانون لتحديد سن الزواج ب18 عاما، وهو اليوم في عهدة اللجان، ينتظر أن يتحول إلى حماية حقيقية لكل طفلة في بلدنا”.
وتوجهت الى رجال الدين: “أنتم لستم فقط أصحاب نصوص، بل أصحاب تأثير وصوت وضمير، كلمتكم قادرة على أن تحدث تحولا عميقا، أن ترفع الإلتباس، أن تضيء الطريق أمام عائلات كثيرة قد تبرر زواج القاصرات بالعرف أو الدين أو الظروف”.
وأضافت: “نعلم جيدا أن الأديان السماوية لم تأت لتقيد الإنسان بل لتحميه، وإن رسالاتها قامت على الرحمة والعدل وصون الكرامة الانسانية، وكلها قيم تتعارض مع منح طفلة دورا ومسؤوليات تفوق قدراتها”، داعية إلى “شراكة حقيقية، لا شكلية، تعيد وضع مصلحة الطفلة فوق أي اعتبارات اجتماعية ضيقة، شراكة تعلن بوضوح ان حماية القاصر واجب ديني، أخلاقي، إنساني ووطني”.
الرفاعي
وبدوره أكد المفتي الرفاعي على “معالجة بعض القضايا الموجودة في واقعنا وفي مجتمعنا ولا يعني هذا اننا نتنازل عن التزامنا في ما يتعلق بالقضايا الكبرى لا سيما المتعلقة بأهلنا من القاصرات والقاصرين والكبار والصغار في فلسطين وفي لبنان وفي باقي الدول العربية. اما بالنسبة لموضوع حوارنا اليوم لا بد من تعريف “القاصر” في اللغة وفي الفقه وفي القانون. ففي اللغة تعني قَصِر عن الشيء وفي الفقه تطلق كلمة قاصر على العاجز وغير القادر على القيام بالتصرفات الشرعية. أما في القانون فالقاصر هو الذي لم يبلغ السن القانوني أو لا يملك الرشد في تصرفاته”.
وأردف: “من الناحية الشرعية هل نزوج القاصر أم لا نزوجها؟ في المحاكم الشرعية السنية واعتقد الجعفرية لا يتم تزويج من هم دون الثامنة عشرة من عمرهم إلا اذا خضعوا إلى اختبار عند طبيب شرعي ونفسي، للتأكد من الأهلية للزواج، بمعنى اننا ضيّقنا المجال لهذه الأمور، والغالب ان المرأة أو الفتاة التي تريد الزواج يجب ان تتم الثامنة عشرة من عمرها، إضافة إلى حقها في اختيار الزوج الذي تراه مناسبا، وهذا حقها في الاختيار، ووضع حدود بين ما يريده الأهل وبين ما تريده هي، وهذا حق مقدس لها”.
وشدّد المفتي الرفاعي على أنه “في مسألة الزواج يجب أن تكون الفتاة مهيئة لكي تتحمل المسؤوليات كاملة وليس الجسدية فقط، إنما النفسية والعلمية والمعرفية، مع تأكيدنا على المطالب المشروعة المحقة في مناهضة العنف ضد المرأة، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان”.
رحمة
وبدوره قال المطران رحمة: “نحن نؤمن بأن الزواج هو مؤسسة إلهية مقدسة، وهو أساس المجتمع البشري. ففي الكنيسة الكاثوليكية الزواج هو عهد بين رجل و إمرأة، يقام على أساس رضا الزوجين الحر، وهدفه خير الزوجين، أي الحب المتبادل، وإنجاب الأطفال وتربيتهم. والهدف المشترك عندنا جميعا هو ضمان أن يتم هذا العهد المقدس بوعي كامل، ونضج كاف، وقدرة على تحمل المسؤوليات العظيمة المترتبة عليه”.
وأوضح ان “القانون الكنسي الكاثوليكي تناول مسألة سن الزواج كمانع إبطالي للزواج، مما يعني ان الزواج الذي يُعقد دون السن القانونية يكون باطلا. فالحد الأدنى للزواج الصحيح القانوني بحسب القانون الكنسي لعام 1983 ومجموعة قوانين الكنائس الشرقية الكاثوليكية 1993: الرجل، لا يمكنه الدخول في زواج صحيح قبل ان يتم السنة السادسة عشرة من عمره، اما المرأة فلا يمكنها ذلك قبل ان تتم السنة الرابعة عشرة من عمرها. لكن الشرع الخاص بالكنيسة المارونية 2018 المادة 273 مرتكزة على قانون 800 بند 2 من مجموعة القوانين الشرقية تصرّح: بدون تفسيح من مطران الأبرشية، لا يجوز عقد زواج قبل بلوغ الثامنة عشرة من العمر. وهذا أصبح مفهوما عاما في الكنيسة الكاثوليكية”.
ورأى ان “الموقف الديني لا ينفصل عن المسؤولية الأخلاقية تجاه الأجيال الناشئة، فالزواج هو التزام مدى الحياة، لا يمكن للقاصر الذي لا يزال في مرحلة التكوين أن يقدم موافقة حرة وواعية وكاملة على التزامات الزواج ونتائجه بما في ذلك الأبوة والأمومة”.
ودعا الحركات النسائية والمنظمات غير الحكومية إلى ان “تضطلع بدور حاسم في مواجهة هذه الظاهرة، ورصد حالات الزواج المبكر وتقديم الدعم القانوني والنفسي للضحايا. وعليها ان تلعب دورا محوريا في الضغط على الحكومات والبرلمانات لرفع السن القانوني للزواج في القوانين المدنية، بما يتجاوز الحد الأدنى الذي قد تسمح به بعض التفسيرات الدينية ليواكب مستويات النضج الحديثة”.
وختم رحمة: “من هنا علينا أن نعمل معا كأتباع للأديان السماوية لرفع الوعي بأهمية النضج الكافي قبل الدخول في عهد الزواج، والتعاون مع السلطات المدنية لضمان سن زواج يحمي أطفالنا ويضمن لهم مستقبلا مستقرا”.
فرحا
وتطرق المطران فرحا ألى البعد الحقوقي و النسوي فقال: “يعد الدفاع عن حقوق الطفلات محورا مركزيا في الفكرين الحقوقي والنسوي، نظرا لأن الطفلات يتعرّضن لأشكال مركّبة من التمييز ناشئة عن تقاطع عامل السن مع النوع الاجتماعي. وقد ساهمت الحركات النسائية المعاصرة في إعادة تعريف موقع الطفلة في البنية الاجتماعية والسياسية والقانونية، عبر مقاربات تتجاوز المنظور الحمائي التقليدي لتعيد الاعتبار لمفهوم الحق والمواطنة ووكالة الطفلة”.
ولفت إلى أنه “من منظور حقوقي، تستند الحركة النسائية الى منظومة القانون الدولي لحقوق الانسان، ولا سيما اتفاقية حقوق الطفل واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) لتأكيد وحدة الحقوق، وعدم قابليتها للتجزئة. اما من منظور نسوي فيتم تحليل أوضاع الطفلات من خلال نظريات الجندر وتقاطع الهويات (Intersectionality) التي تظهر كيف ينتج المجتمع أنماطا بنيوية من الهيمنة تُقصي الطفلات وتحد من إمكاناتهن منذ المراحل المبكرة للحياة”.
وأشار الى “دور الحركة النسائية في إدماج مقاربة النوع الاجتماعي في القوانين والسياسات الوطنية المتعلقة بالطفولة عبر الضغط التشريعي لتجريم الممارسات الضارة كالزواج المبكر، التحرش، الاستغلال الاقتصادي، اعادة تعريف مفهوم الحماية بما يتجاوز البعد الأمني إلى حماية قائمة على الحقوق تشمل المشاركة والمساواة وعدم التمييز”.
ونوه بدور الحركة النسائية “التي تحولت إلى فاعل اساسي في الحقل العمومي، عبر بناء تحالفات مع منظمات حقوقية وطفولية محلية ودولية لتعزيز الضغط السياسي من خلال اعداد تقارير الظل (shadow reports) المقدمة للجان المتابعة في الامم المتحدة والتي تساهم في مساءلة الدول حول وضع الطفلات”.
شريف
وكن جهته استهل القاضي شريف مداخلته قائلا: “لا كتاب الله تعالى ولا سيرة النبي ولا سيرة الأئمة حددوا سنّا معيّنا للزواج، إنما القضية ارتبطت بسن البلوغ والرشد وهذه قضية شائكة ولها معايير كثيرة. فإن عدنا إلى الدراسات العلمية نرى أن سن البلوغ يبدأ بالتاسعة والحادية عشرة والثالثة عشرة، وهناك دراسات تقول من الثالثة عشرة، وللمفارقة ايضا هناك دراسات تقول ان مرحلة سن البلوغ عند الفتيات يبدأ من السادسة عشرة”.
وتابع: “للمراجع والفقهاء رأي حديث ومتقدم على صعيد الزواج ولا سيما فتوى السيد السيستاني بأنه ليس لولي الفتاة تزويجها إلا وفقا لمصلحتها، ولا مصلحة لها غالبا في الزواج إلا بعد بلوغها النضوج الجسمي والاستعداد النفسي للممارسة الجنسية، كما لا مصلحة لها في الزواج خلافا للقانون بحيث يعرضها لتبعات ومشاكل هي في غنى عنها، ويحرم الدخول بها في هذا العمر”.
وقال شريف: “ليس من العرف أن يتم تزويج الفتاة بعمر التاسعة أو الحادية عشرة او الثالثة عشر من عمرها، وهناك حالات في بعض الدول العربية يتم تزويج الفتاة بعمر 13 سنة إلى رجل بعمر السبعين وهذا مرفوض كليا وليس للفتاة أي مصلحة بهذا الزواج”.
وختاما، حصل نقاش مطوّل بين المحاضرين والمشاركين، تم التأكيد خلاله على ضرورة تحديد سن 18 وما فوق لكي يعتبر الزواج قانونيا.
