سياسة صحف وآراء

مدافع حرب الإبادة الاسرائيلية تلهب غزة وقطاعها: اليمين يسـعى لضم 82 % من الضفة دون السكان

د. زهير هواري

بيروت 6 أيلول 2025 ـ بيروت الحرية 

تتجه هذه الأيام نحو قطاع غزة لتشاهد استكمال القوات الإسرائيلية تدمير ما تبقى من الأبراج ومعالم العمران، وتهجير من تعب من الانتقال بين الوسط والشمال والجنوب فقرر البقاء تحت الخطر في مدينة غزة، وتنفيذ احتلال متجدد للمدينة في اطار خطة “عربات جدعون – 2 “، إلا أن الكارثة لا تقتصر على ما يعانيه القطاع من مقتلة بالنار والتجويع تطال الصغار والكبار وبمعدل حوالي 100 ضحية يوميا هم من النساء والأطفال والكبار، إذ تصل على نحو مؤكد إلى الضفة الغربية التي تشهد مقدمات حملة استيطان لم يسبق لها مثيل منذ احتلالها في العام 1967 أي قبل 58 عاما بالتمام والكمال.

حملة أميركية – إسرائيلية منسقة

وما يدور على الأرض الفلسطينية هو جزء من حملة أميركية – إسرائيلية منسقة بين إدارتي الرئيس ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو للقضاء على هذه القضية، التي تنغص على عُتاة اليمينيْن الاميركي والإسرائيلي عيشهما. ولنبدأ مما أقدم عليه الأول. ففي مطالع الأسبوع الماضي أعلن وزير الخارجية الأميركية ماركو روبيو عن رفض الإدارة الأميركية منح الوفد الفلسطيني تأشيرات دخول إلى نيويورك للمشاركة في أعمال الدورة العادية المقررة للجمعية العمومية للأمم المتحدة، والتي تنطلق في الـتاسع الشهر إلى  29 من أيلول الجاري. ومن شبه المؤكد أن هندسة القرار جاءت في أعقاب اجتماع أول عقد بين روبيو ونظيره الإسرائيلي جدعون ساعر. أما الاجتماع الثاني فقد عقد في البيت الأبيض تحت عنوان “حول مستقبل غزة بعد الحرب”، بحسب المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف، وأثار الكثير من الاسئلة بسبب مشاركة رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، إضافة إلى صهر الرئيس ترامب ومستشاره خلال الحقبة الرئاسية الأولى جاريد كوشنر، والذي حمل اسمه مشروع صفقة القرن التي أعدها، ولم يكتب لها النفاذ على أرض الواقع. بعيد الاجتماع تجدد الحديث عن فكرة “الريفييرا” في قطاع غزة، التي كان قد أطلقها ترامب نفسه. وكان لافتاً حضور وزير الشؤون الاستراتيجية واليد اليمنى لنتنياهو رون ديرمر، في واشنطن بالتزامن مع اللقاء، من دون إعلان وجوده في زيارة رسمية.

وبالعودة إلى قرار رفض منح التأشيرات أو سحب حق الدخول من فريق السلطة الفلسطينية إلى نيويورك يتبين أن الحدث لا يستهدف السلطة فقط، إذ أنه يتوجه نحو الدول الأربع التي أعربت عن عزمها الاعتراف بالدولة الفلسطينية أثناء دورة الجمعية العمومية، وهي: بريطانيا وفرنسا وأوستراليا وكندا وما مجموعه 21 دولة لحملها على التراجع عن الاعتراف. ما يعني إضعاف الموقف الفلسطيني الذي يرى في المناخ المؤيد لحل الدولتين فرصة للتعويض عن الخسائر المادية التي يتعرض لها الفلسطينيون في كل من القطاع والضفة على حد سواء.

الخارجية الأميركية أصدرت في 31 يوليو/ تموز الماضي، منشورا أعلنت فيه عن محاسبة السلطة الفلسطينية التي “تقوم بتدويل النزاع مع إسرائيل عبر الدعاوى التي رفعتها أمام محكمة العدل الدولية والمحكمة الجزائية الدولية” وتواصل “تقديم المنافع لعائلات الإرهابيين”، وعليه فإنه من “مصلحة أمننا القومي محاسبتها لعدم قيامها بالتزاماتها، وبما يقوض احتمالات السلام. والآن جاء وقت المحاسبة، بترك السلطة الفلسطينية خارج الجمعية العمومية”. علماً بأن اتفاقية 1947 الخاصة بوضعية المقر الرئيسي للأمم المتحدة في نيويورك، تلزم واشنطن بضمان حق الدخول إلى المدينة، والاقامة والتحرك فيها أثناء فعاليات المنظمة واجتماعاتها السنوية. أما الاستثناءات فكانت نادرة وتعد على أصابع اليد الواحدة.

ضم الضفة الغربية المؤجل

والآن لننتقل إلى أرض الواقع. فقد أفشل نتنياهو موافقة حماس على حل مشكلة الأسرى في القطاع وأطلق آلة حربه من عقالها. لكنه اضطر مكرها إلى وضع موضوع ضم معظم أجزاء الضفة الغربية خارج جدول أعمال الكابينيت، بعد أن كان وزير المالية الإسرائيلي، الوزير في وزارة الأمن بتسلئيل سموتريتش، قد كرر منذ أشهر ما سبق وطالب به من فرض السيادة الإسرائيلية على  82% من مساحة الضفة الغربية المحتلة بما يحول دون  إقامة دولة فلسطينية في رد مباشر على تنامي المواقف الدولية الداعية إلى اعتماد حل الدولتين، ووقف احرب الإبادة في قطاع غزة والاستيطان في الضفة الغربية. يستند سموتريتش الذي طرح ما طرحه بحضور قادة الاستيطان إلى مقدمات تساهم في دفع توجهه هذا، في طليعتها الدعم اللامحدود الذي يوفره وجود الرئيس الأميركي ترامب وإدارته على رأس مؤسسات السلطات الأميركية، وكلهم من مؤيدي اليمين الصهيوني. أيضا هناك اجماع إسرائيلي على رفض إقامة دولة فلسطينية وفرض السيادة على الضفة. وأضاف سموتريتش:”بعد السابع من أكتوبر (تشرين الأول 2023)، هناك عدد قليل جداً من الناس يعتقدون أن دولة إسرائيل يمكنها أن تسمح لنفسها بمضاعفة غزة عشرين مرة (يقصد مساحة الضفة الغربية المحتلة)، ووضعها في منطقة تسيطر جغرافياً وطوبوغرافياً على جميع مراكز السكان لدينا”. واستطرد قائلاً: “صديقنا الكبير في البيت الأبيض، الرئيس دونالد ترامب، أوضح ذلك جيداً بطريقته الواضحة والمباشرة للغاية، عندما أشار إلى طرف قلمه في وسط الطاولة ليُظهر مدى صغر حجم دولة إسرائيل على الخريطة. صغيرة جداً وذات عمق استراتيجي ضئيل لا يكفي لحمايتها، سواء من تهديدات الغزو والاحتلال أو من تهديدات الصواريخ قصيرة وطويلة المدى. وتقليصها أكثر من ذلك ببساطة ليس وارداً”.

وأشار إلى قرار الكنيست قبل أكثر من عام برفض إقامة دولة فلسطينية، والإجماع على فرض السيادة الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة. وذكر سموتريتش في هذا السياق أن “71 مؤيداً مقابل خمسة أعضاء كنيست يهود فقط عارضوا القرار التاريخي بفرض السيادة الإسرائيلية على أراضي الوطن في يهودا والسامرة (التسمية الإسرائيلية للضفة الغربية المحتلة).

وتدمير السلطة الفلسطينية

وأردف الوزير الإسرائيلي بأنه “حان الوقت لفرض السيادة الإسرائيلية على يهودا والسامرة، ووضع حد نهائي لفكرة تقسيم أرضنا الصغيرة وإقامة دولة إرهابية في قلبها. لن نسمح بحدوث مجزرة مروعة كما حدث في 7 أكتوبر مرة أخرى، لا ضد بلدات غلاف غزة، ولا ضد سكان الشمال، ولا ضد مدن وبلدات المركز، ولا الشارون وخط التماس. لن نسمح بأن تتحول كفار سابا إلى كفار غزة، أو أن تصبح نتانيا مثل بيئيري، أو أن تتحول نيتساني عوز إلى ناحال عوز”، في إشارة الى مستوطنات غلاف غزة التي تعرضت للهجوم في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023. ولذلك، فإن المبدأ الأهم في فرض السيادة هو أقصى مساحة، وأقل عدد من السكان. وبهذا نحافظ على أغلبية يهودية واضحة في دولة إسرائيل اليهودية والديمقراطية”.

وتوعد سموتريتش السلطة الفلسطينية ووصفها بأنها جهة إرهابية، وهي التي تحرك خطوات المقاطعة لإسرائيل والمحاكم الدولية ضدها وأوامر الاعتقال بحق مسؤولين إسرائيليين، على رأسهم نتنياهو.

وأضاف: ” إن المصادقة على البناء في منطقة E1  قيل أنها  ستفجر الوضع… لكن فعلنا ذلك، ولم يحدث شيء. وهذا بالضبط ما سيحدث مع فرض السيادة … لقد انتهى زمن الاستسلام للتهديدات والتحذيرات. إذا تجرأت السلطة الفلسطينية على رفع رأسها ومحاولة إيذائنا، فسندمرها كما نفعل مع حماس. لن نترك تهديداً أمنياً قريباً منا”.  إن ما يطرحه الوزير الإسرائيلي إلحاق تدمير سلطتي السلطة وحماس بتدمير المجتمع الفلسطيني عبر اقتلاعه من جذوره، ورميه بعيدا عن أرضه التي نشأ عليها.

ودعا سموترتيش رئيس الحكومة نتنياهو ختاما “… وباسم الأجيال السابقة وتلك التي ستأتي: اجمع الحكومة واتخذ قراراً تاريخياً بفرض السيادة الإسرائيلية على جميع المناطق المفتوحة في يهودا والسامرة. وأنت، سيدي رئيس الحكومة، ستدخل كتب تاريخ الأمة للأجيال القادمة كقائد عظيم عرف كيف يغتنم اللحظة، ويستغل الفرصة، وينقذ دولة إسرائيل مرة واحدة وإلى الأبد من فكرة تقسيم الأرض ومن مصدر التهديد الوجودي الذي يُسمى بلغة التجميل الدولة الفلسطينية”.

المؤكد أن إسرائيل من خلال ممارساتها التي تتراوح بين حروب القتل والإبادة والتهجير السافرة في قطاع غزة، ووضع المخططات لطرد السكان في القطاع والضفة الغربية وتحويل أراضيهم إلى بؤر مستوطنات كمقدمة لتهجيرهم من ديارهم والاستيلاء عليها، إنما تتابع ما سبق وبدأته منذ تأسيسها، وضاعفته من حصار وحواجز وجدار فصل عنصري وتطويق بذريعة الحفاظ على أمنها، وسيطرة على الممتلكات العامة والخاصة وتدمير البيوت بإدعاء عدم قانونية بنائها، مقابل شرعنة البؤر الاستيطانية، والقيام بالتضييق على موازنة السلطة الفلسطينية عبر مصادرة حوالي 3 مليارات دولار من أموال المقاصة المستحقة لها، والقضاء على كل مقومات الحياة الآدمية على ارض فلسطين التاريخية سواء في القطاع أو الضفة… والضرب عرض الحائط بالمواثيق والمعاهدات القانونية الدولية والأممية. وهي في ذلك تستند على جبروت آلتها الحربية ومخازن الأسلحة والذخائر المفتوحة أمامها من الترسانات والمصانع الأميركية والغربية، ما يشجعها دوما على ارتكاب المزيد من الجرائم. على أن المشكلة تبقى ليس في الموقف العربي الذي يعاني من اهتراء لم يشهد له مثيلا، بل في الموقف الفلسطيني الذي ما يزال أسير انقسامه الأصلي بين مكونيه الرئيسييْن فتح وحماس رغم خطورة ومأساوية ما بلغه الواقع الفلسطيني، ما يؤشر إلى مقدمات نكبة أشد هولا من النكبة الأولى عام 1948. إن الحد الأدنى المطلوب أمام هذا الكم من المخاطر هو تضافر المواقف الفلسطينية معا لتحقيق الصمود في وجه هذه الحملة الصهيونية العاتية التي لم تعرف المنطقة مثيلا لضراوتها منذ الحروب الصليبية وحملات التتار، التي اكتسحت المنطقة ثم ما لبثت أن تساقطت على أسوارها.