سياسة مجتمع

لبنان بين مطارق الضغوط والتهديدات وسندان حزب الله والقوات

زكي طه

بيروت 18 تشرين الثاني 2025 ـ بيروت الحرية

خطابان ونظام محاصصة مأزوم يظلّلان لبنان الذي يقف اليوم عند نقطة حرجة تتقاطع فيها خطوط النار بين الاحتلال الإسرائيلي المستمر، والضغوط الأميركية المتصاعدة، والتحوّلات الإقليمية المتسارعة في المنطقة. ووسط هذا المشهد، تعيد قوى الانقسام الأهلي إنتاج مقارباتها القديمة، كلّ من زاويته الطائفية وموقعه الفئوي. وفي السياق يبرز خطابان متناقضان في الشكل، وهما شريكان وخصمان في السلطة، وينتميان إلى منطق الانقسام الذي عطّل ولا يزال مشروع بناء الدولة، وأبقى مستقبل البلد معلّقًا على معادلات السلاح والرهانات الخارجية وتجاذبات القوى الإقليمية.

ففيما يقدّم أمين عام حزب الله الشيخ نعيم قاسم سرديته التي تستند إلى مركزية “المقاومة” التي يتولاها حزبه في التحرير والردع، ويحمّل الولايات المتحدة المسؤولية المباشرة عن استمرار العدوان، يقدّم قائد القوات اللبنانية سمير جعجع، سردية مقابلة تحصر المأزق اللبناني في سلاح حزب الله وغياب “الإرادة السياسية” لدى الحكومة لنزعه، داعيًا إلى إعادة لبنان إلى منطق “اتفاق الهدنة” وتخليصه من “محور إيران”.

كلاهما يتحدث باسم «لبنان»، لكنهما يفعلان ذلك من مواقع طائفية – فئوية – أيديولوجية متعارضة، ويعيدان صياغة التاريخ والوقائع وفق رؤيتهما الاختزالية المسبقة، ويقدّمان تشخيصًا للأزمة يعكس حدود مشروع كلّ منهما، أكثر مما يعكس حقيقة أوضاع البلد، وعسر بناء الدولة كي يبقى للبنانيين وطن. وبين هاتين المقاربتين تبدو الدولة اللبنانية الغائب الأكبر، واللبنانيون رهائن معادلات العجز وتلقّي النتائج.

 لبنان جبهة دائمة، والسلاح هوية وجودية

يقدّم الشيخ نعيم قاسم، في خطابه بمناسبة يوم “الشهيد”، المقاومة ليس كقوة عسكرية فقط، بل ككيان سياسي وأمني واجتماعي لحماية لبنان، وفق سردية مكتملة، تتفوّق على الدولة وتكملها وتشكّل بديلًا عنها في آن.

ركيزة الخطاب الأولى أنّ المقاومة وحدها أخرجت إسرائيل عام 2000، وأنّ اتفاق 27/11/2024 هو “انتصار جديد” للمقاومة، لأنه يكرّس انسحاب إسرائيل من جنوب الليطاني ويضمن انتشار الجيش اللبناني في منطقة كانت المقاومة تعدّها سابقًا تحت إدارتها.

ويرى أن لبنان المقاومة نفّذ التزاماته، لكن إسرائيل لم تنسحب لأن الولايات المتحدة منعتها، وأن ما يجري هو “عدوان أميركي ـ إسرائيلي” يستهدف لبنان المقاومة والدولة والجيش لصالح مشروع “إسرائيل الكبرى”.

تنطلق سردية الشيخ قاسم من مقولة أنّ الدولة ضعيفة، وأن المقاومة هي من يحمي البلد. وأن الحكومة اللبنانية عاجزة، بل الأصح متواطئة، لأنها تكتفي بطرح “حصرية السلاح”، وهو بنظره عنوان وهمي لا علاقة له بحماية لبنان. ولذلك فإن “الحكومة لا تملك خطة سيادية”، ولم تضع جدولًا زمنيًا لاستعادة السيادة، والسبب ـ بحسب قوله ـ خضوعها للإملاءات الأميركية.

ويرى أمين عام حزب الله أن نزع السلاح ليس ذريعة لإسرائيل، فهي أصلًا لا تحتاج إلى ذريعة، لأن “المشكلة” بالنسبة لها هي أصل الوجود. وهكذا يصبح السلاح قدرًا دائمًا، لا ينفصل عن الوجود بقدر ما يرتبط به، ولا يخضع لأي نقاش. كما أنّ الاتفاق الذي “فُرض على إسرائيل” بقوة المقاومة، لا يُعدّل ولا يُستبدل. ولذلك يرفض الحزب أي تفاوض جديد قبل انسحاب إسرائيل بالكامل.

ثم لا يكتفي بتحميل الدولة المسؤولية عن تنفيذ الاتفاق “بكل الوسائل المشروعة والمتاحة”، بل يطالبها بتلبية حاجات “المجتمع المقاوم” الذي يملك القدرة على “سدّ المنافذ الأمنية والاقتصادية والسياسية” في مواجهة إسرائيل، وبذلك تصبح المقاومة أكثر شرعية من مؤسسات الدولة نفسها.

وفي ذروة الخطاب، تتحوّل مسألة السلاح من موقعها السياسي والأمني إلى هوية وجود وبقاء. ويرفض الحزب التخلي عن السلاح لأنه يرى في نزعه محاولة نزع الهوية عن مقاومة وشعب لا يُهزمان. وتزداد المعادلة تماسكًا عبر تثبيت الشرعية العقائدية والسياسية للاحتفاظ بالسلاح، ومن خلال تجديد الرهان على المحور الذي تقوده إيران في سوريا والعراق واليمن ولبنان وفلسطين.

الحكومة عاجزة والسلاح أصل الانهيار

على نقيض خطاب حزب الله، يقدّم سمير جعجع خطابًا آخر يحمل بدوره إشكالات عميقة. يقرر قائد القوات اللبنانية أن السلاح أصل الأزمة، وأن الدولة هي الحل. ويحصر المأزق الراهن في نقطة واحدة: عدم نزع سلاح حزب الله وغياب الإرادة السياسية لدى الحكومة لتنفيذ قراراتها، لأن الوزراء “باستثناء وزراء القوات” يتجنبون اتخاذ قرارات قابلة للتنفيذ. ولذلك، فإن سلاح حزب الله يبقي مستقبل لبنان القريب بين خطرين: حرب أهلية إذا انفجر النزاع الداخلي، أو حرب إسرائيلية جديدة، وكلاهما نتيجة مباشرة لوجود سلاح خارج الدولة.

وبينما يراهن حزب الله على إيران، يراهن جعجع على الدعم الأميركي في لحظة إقليمية حافلة بالتحولات السريعة. لكن لبنان يتراجع بسبب السلاح والصراعات الداخلية، والدليل لديه، أنّ الرئيس السوري الجديد يزور البيت الأبيض، بينما الرئيس اللبناني يزور بلغاريا. ولذلك يطالب بإعادة لبنان إلى “الموقع الطبيعي” ضمن المحور الغربي ـ العربي.

أما حل الأزمة حسب جعجع، فيكمن في العودة إلى اتفاق الهدنة (1949 ـ 1969) طريقًا لخلاص لبنان من الصراع الذي اندلع مع إسرائيل عندما تحوّل لبنان قاعدة للفصائل الفلسطينية ثم لحزب الله. وبذلك يتجاهل تاريخ وطبيعة الصراع العربي ـ الإسرائيلي، وقضية فلسطين وشعبها وحقوقه. ولا يختلف الأمر بالنسبة للاحتلالات الإسرائيلية المتكررة، وهشاشة البنية اللبنانية والخلافات الموروثة حول هوية لبنان ونظامه السياسي وموقعه ودوره. وهكذا تُختزل الأزمات البنيوية المتراكمة منذ إعلان تأسيس الكيان إلى أزمة سلاح فقط، خارج سياقها التاريخي والسياسي والاجتماعي.

بين خطابين… أين لبنان؟

قدّم الطرفان تفسيرًا خاصًا لتاريخ البلد وأزماته، وتبادلا سرديتين متعارضتين لا تلتقيان.
في خطاب قاسم، تُختزل الدولة بالمقاومة، والسيادة لا تُمارس إلا عبر السلاح. فالمقاومة حرّرت لبنان، والاتفاقات انتصارات على العدو، وعلى الدولة أن تتكيف مع السلاح وتستقوي به.
وفي خطاب جعجع، الدولة هي صاحبة السيادة، لكن الحكومة لا تملك إرادة نزع السلاح الذي تسبب بالحرب وجلب الاحتلال. وعلى الدولة نزع السلاح كي تنسحب إسرائيل، ويعود لبنان إلى اتفاق الهدنة، وإلا فالحرب قادمة.

من الواضح أنّ الطرفين يشتركان في أمرين جوهريين:
الأول، أنّ كلًا منهما يحمّل الآخر مسؤولية الانهيار، ويقدّم نفسه وصيًا على الدولة ـ والأصح بديلًا لها ـ لا شريكًا فيها.
والثاني، ربط مستقبل لبنان بمحور خارجي، إيران من جهة والولايات المتحدة من جهة أخرى. وبذلك يغيب العامل اللبناني الداخلي الحاشد بالأزمات، وتتحوّل سيادة لبنان إلى ميدان لصراع داخلي يحاصر مشروع بناء الدولة ويعطّله، لأن الطرفين يريدان دولة منزوعة القدرة، كي تبقى معلّقة بين مشروعين متناقضين يلغيان وجودها.

يتعمّد الفريقان ليّ عنق الوقائع التاريخية. فتاريخ لبنان يبدأ مع حزب الله مع حدث التحرير عام 2000، وكأن ما سبق ذلك في إطار الصراع مع إسرائيل وعلى صعيد الوضع الداخلي تفاصيل لا تستحق الاهتمام. كما يتجاهل مسؤوليته عن تهميش مؤسسات الدولة والهيمنة عليها ومصادرة صلاحياتها بما فيها قرار الحرب والسلم. وللتعمية، ينسب عجز الدولة للضغوط الأميركية، لكنه يتغافل عن موافقته على ضمانة الولايات المتحدة لاتفاق ترسيم الحدود البحرية، وتفويضها الإشراف على تنفيذ اتفاق وقف الأعمال العدائية الذي يراه “نصرًا استراتيجيًا”. وفي السياق، يعلن أمين عام الحزب فشل أميركا وإسرائيل في تحقيق أهداف الحرب، وهو لا يرى السيطرة الإسرائيلية واحتلال المواقع وعجز المقاومة عن مواجهة الاعتداءات والاغتيالات. لكنه يُحمّلهما مسؤولية عدم تنفيذ الاتفاق ورفض الانسحاب.

والأهم  في خطاب الامين العام، متابعة توجيه الرسائل للإدارة الأميركية عبر الوسطاء بحثًا عن ضمانات لموقعه في السلطة ومعالجة ملف مشكلاته المزمنة معها. والجديد تكرار القول إن الحزب لا يريد الحرب مع إسرائيل، وأن مستعمراتها في الجليل باتت في أمان، ولذلك لم يعد لديها مبررات لعدم تنفيذ الاتفاق.

في المقابل، يتعمد قائد القوات حصر أزمة لبنان بوجود السلاح، لذلك يختزل تاريخ الصراع مع إسرائيل بوجود السلاح الفلسطيني، على نحو يتجاهل كل التطورات التي جعلت الصراع جزءًا من الواقع الإقليمي والدولي. وهو لا يخبر اللبنانيين كيف حصل لبنان على اتفاق الهدنة، ولا يشير إلى أزمة النظام الطائفي وانغلاق قواه على الإصلاح ومضاعفات ذلك على أوضاع البلد، بما فيه ضعف مؤسسات الدولة.

لا مكان لدى قائد القوات اللبنانية لتاريخ التدخلات الخارجية، أو لأسباب تعدد وتبدّل رهانات اللبنانيين واستقواء قواهم بالخارج القريب والبعيد، الشقيق والصديق والعدو، تبعًا لمواقعهم وانتماءاتهم الطائفية، والتطورات الإقليمية التي ساهمت في تزخيم الانقسام الأهلي وتسعير النزاعات المحلية، وكأن القوات كانت ولم تزل بريئة من تلك المعادلات. لكنه يطمئن اللبنانيين إلى مستقبل بلدهم استنادًا إلى إعلانات الدعم الأميركي، متجاهلاً الضغوط  الاميركية و… التي تُمارس على لبنان كي يستجيب لطلبات إسرائيل ويخضع لشروطها، وأن البديل عن الاستجابة هو الحرب عليه. وفي السياق، وكعادته يتابع “الحكيم” توزيع شهادات حسن السلوك على وزراء الحكومة ورئيسها وصولًا إلى رئيس الجمهورية.

النقاش المغيّب

بين خطاب “التهديد الوجودي” وخطاب “نزع السلاح”، وتبادل الاتهامات وشيطنة الآخر وتخوينه وإحياء ذاكرة الحرب، يتابع اللبنانيون احتدام معارك المحاصصة والصراع على النفوذ بين الأحزاب والتيارات الطائفية، التي بلغت ذروتها مع تعطيل عمل المجلس النيابي. وتتسارع وتيرة التعبئة الطائفية وتحشيد القوى في ظل الانقسامات، ويغيب النقاش الفعلي حول: كيف يُحمى لبنان وجنوبه؟ وكيف تواجه الشروط الإسرائيلية وتُستعاد السيادة؟ وكيف تُبنى الدولة؟ وكيف يتعامل لبنان مع التحولات الإقليمية المتسارعة؟

من الواضح أن التركيز على حصر السجال حول السلاح، دفاعًا عنه أو مطالبة بإزالته، غايته حجب كلّ القضايا البنيوية الأخرى، من أزمة النظام الطائفي، والفساد السياسي البنيوي، إلى غياب الخطة الاقتصادية، والشلل السياسي، في موازاة التدخلات والضغوط الخارجية، ومخططات إسرائيل لتكريس سيطرتها بقوة عدوانها المستمر وتهديداتها بتجديد الحرب، مدخلًا لفرض شروطها.

 خارج خطاب القوتين

ما يواجه اللبنانيون ليس الانحياز إلى أحد الخطابين، بل كشف مآربهما: بين دولة تُستعمل منصة لإثبات شرعية السلاح، ودولة مدعوة لنزعه، والبحث عن سبل مواجهة تتجدد حالة العجز والتفكك وغياب الخطة والقدرة على استعادة الدولة لدورها وصلاحياتها، كي لا يبقى لبنان بين مطارق العدوان والتهديدات والضغوط والشروط الإسرائيلية – الأميركية، وسندان الانقسام الأهلي، بلا أدوات حقيقية للدفاع عن نفسه أو لبناء مستقبله.
وبين هذين الخطابين، يبقى لبنان – الدولة والوطن – خارج النص، وخارج الفعل، وخارج الحساب.