زكـي طـه
بيروت 29 كانون الاول 2025 ـ بيروت الحرية
لا تُقرأ الاستهدافات الإسرائيلية المتصاعدة في جنوب الليطاني والبقاع الشمالي بوصفها مجرّد وقائع عسكرية منفصلة أو روتيناً حربياً عابراً. فهي، في جوهرها، جزء من مسار سياسي ـ أمني متكامل يهدف إلى فرض وقائع جديدة على لبنان، مستفيداً من اختلال موازين القوى الإقليمية، ومن هشاشة البنية الداخلية للدولة اللبنانية، وعجز قوى النظام السياسي الطائفي عن إنتاج موقف وطني جامع.
وعليه تشكّل الاستهدافات رسالة ضغط مركبة على الدولة اللبنانية لإجبارها على السير في مسار التسليم بالامر الواقع بقوة الاحتلال وشروط العدو التي تستهدف دفع المجتمع اللبناني بأسره للقبول بفكرة الرضوخ له تحت عناوين الأمن والاستقرار.
وفي هذا السياق، تُقرأ التصريحات الرسمية التي تقلل من احتمالات الحرب، أو تراهن على الحماية الدبلوماسية، وغايتها تبديد المخاوف في ظل استمرار العدوان، وجرح الجنوب المفتوح، وملف الأسرى، وتعذر عودة الأهالي إلى قراهم.
الدولة بين الاستعادة والتعثر
مع استعادة وقائع العام المنصرم يظهر بوضوح أن ما تحقق على مستوى الاستحقاقات الدستورية والسياسية على أهميته، لا يرقى إلى مستوى إعادة بناء الدولة بوصفها دولة مواطنين وحقوق. والمشكلة لا تكمن فقط في تأخير الإصلاحات أو ضعف الأداء، بل في طبيعة نظام المحاصصة الطائفية الذي يُمكّن قوى الطوائف من إعادة انتاج سلطتها، ومن تغطية تهربها من المحاسبة على مسؤولياتها المثبتة عن الانهيار المالي والاقتصادي غير المسبوق.
وفي هذا الاطار تقع صعوبة تكوين رأي عام واسع، أو تقدير وطني مشترك حول طبيعة وحدود الخطوات المتحققة وأهميتها في آن. والمتحقق لا يُختزل في عنوان حصر السلاح، بل يتصل بمسار إعادة الاعتبار لفكرة الدولة، وبالخطوات المتخذة لإعادة بنائها مقارنة بما كان سائداً طوال عقود من التفكك والتقاسم الطائفي. علماً أن مسار حصر السلاح بمعزل عن إعادة بناء الوظيفة الاجتماعية للدولة، واستعادة دورها في ميادين تنظيم الدورة الاقتصادية وتأمين الخدمات العامة وضمان العدالة الضريبية والحقوق الاجتماعية، سيبقى عرضة للتوظيف الخارجي، وسيُستخدم أداة ضغط على لبنان للتسليم بالأمر الواقع وقطع الطريق على امكانية استعادة سيادته.
مشاريع متصارعة ومصلحة واحدة
ولذلك لم يكن مستغرباً أن يواجه مسار إعادة الاعتبار للدولة هجوماً معاكساً من قوى الطوائف، التي خسرت رهاناتها المتناقضة في الحرب والسياسة وإجبرت على التسليم بما فرض عليها في استحقاقي رئاسة الجمهورية والحكومة، لكنها لم تخسر قدرتها على التعطيل. فهذه القوى، رغم تناحرها الظاهري، تتقاطع موضوعياً في الدفاع عن نظام المحاصصة والزبائنية الذي الضامن لوجودها وأدوارها، عدا أنه يمنع نشوء كتلة اجتماعية عابرة للطوائف قادرة على فرض أولويات الناس الفعلية.
إن تعثر مشروع الدولة لا يعود فقط إلى العدوان الاسرائيلي والضغوط الخارجية، بل إلى الخلل البنيوي في موازين القوى الداخلية. فالفئات الاجتماعية الأكثر تضرراً من الانهيار، والتي يُفترض أنها صاحبة المصلحة المباشرة في قيام دولة موحدة وفاعلة. وبالنظر لعدم فعالية الاطر الناظمة لمصالح وحقوق تلك الفئات، فإنها لا تزال عاجزة حتى الآن عن تجديد انتظام حضورها وفاعليتها في ميادين الصراع السياسي والاقتصادي والاجتماعي. والنتيجة مصادرة قوى الطوائف، للتمثيل السياسي والنيابي لهذه الفئات، والامعان في تهميشها وشرذمتها والتعامل معها على النحو الذي يضمن لها استمرار تسلطها عليها وسيطرتها على مقاليد السلطة ومقدرات الدولة.
إسرائيل والمنطقة العازلة
تاريخياً، لم تكن المطالبة الإسرائيلية بحصر السلاح في لبنان يوماً تعبيراً عن حرص على سيادة الدولة اللبنانية، بل كانت دائماً مدخلاً لتكريس ترتيبات أمنية تخدم الاحتلال. وهو مطلب قديم يعود إلى ما قبل الاجتياح الاسرائيلي عام 1978. ولذلك فشكل رفض الانسحاب من الاراضي اللبنانية المحتلة بموجب القرار 425، تغطية لإقامة شريط حدودي وتشكيل ميليشيا محلية ملحقة بجيش العدو، الذي اجبرته خسائره بفعل عمليات المقاومة على الانسحاب دون شروط.
اليوم، وفي ظل احتلال اسرائيل للعديد من المواقع الحدودية، واعتداءاتها اليومية وسيطرتها العسكرية والأمنية، وبفعل الخلل الفادح في موازين القوى بنتيجة الحرب الأخيرة التي اندلعت على خلفية معركة الإسناد التي قررها حزب الله خلافاً لمصلحة لبنان، يتجدد المطلب الإسرائيلي بإنشاء منطقة أمنية جنوب الليطاني، ويتوسع الطلب ليصل إلى نهر الأولي.
وامام ادراك اهل الحكم وقيادة حزب الله أن إسرائيل لن تنسحب من التلال الحدودية، ولن توقف عدوانها، الا بعد فرض شروطها الأمنية التي تضمن لها منطقة عازلة هي من يحدد عمقها ومواصفاتها، في تجاوز واضح لنصوص اتفاق وقف إطلاق النار. وبالنظر لخطورة التهديدات الاسرائيلية وتصاعد الضغوط الاميركية والدولية التي تستغل الانقسامات اللبنانية الداخلية وتوظف مزايدات قواها المتعارضة على العهد والحكومة في آن. ولأن غايتها فرض معادلة سياسية وميدانية جديدة على مسار التفاوض ولجنة الإشراف على تنفيذ القرار 1701، يتجدد السؤال المركزي: كيف يمكن للبنان التعامل مع الوقائع القاهرة، وتوفير مقومات الصمود في مواجهة شروط الإخضاع الإسرائيلية، في ظل التهديدات اليومية والضغوط الدولية؟
استحقاقات حزب الله
ومع اقتراب صدور بيان حكومي يعلن انتهاء الجيش اللبناني من تنفيذ مرحلة حصر السلاح جنوب نهر الليطاني، يواجه حزب الله مرحلة شديدة الحساسية تتعلق بمستقبل سلاحه شمال النهر، وحجم حضوره وتأثيره في معادلة السلطة في لبنان. وتتفاقم صعوبات الحزب مع تصعيد مواقف خصومه في الداخل والخارج، الذين ينتظرون هذه اللحظة لتشديد الحصار عليه، سياسياً ومالياً، والسعي لتجفيف مصادر تمويله، وتفكيك مرتكزاته الاقتصادية، بهدف إنهاء ما تبقى لديه من عناصر قوة، بالتوازي مع مسلسل العمليات الاسرائيلية التي تستهدف بنيته والمرشحة للتصعيد.
في المقابل، يحاول الحزب ترتيب أوضاعه للصمود والدفاع عن آخر معاقل سلاحه عبر سياسة الانكار والهروب إلى الأمام، ومن خلال رفض الاحتكام للمصلحة الوطنية، الامر الذي يضعف الموقف اللبناني الرسمي. وتدرك قيادة الحزب أن خصومه لا يريدون منحه أي هامش للمناورة، حتى ضمن الادعاء بأن الاتفاق يقتصر على جنوب الليطاني. في موازاة ذلك، تسعى السلطة إلى الحد من الضغوط الخارجية، وتجنب تنفيذ إسرائيل لتهديداتها، عبر إظهار الجدية على أنها شريك موثوق قادر على تنفيذ خطط حصر السلاح والالتزام بالتعاون الامني. علماً أن الرهان على عقلانية الخارج أو على توازنات إقليمية يشوبها عدم الاستقرار، لا يشكل بديلاً عن ميزان قوى داخلي مفقود جرّاء الانقسام والخلافات القائمة التي تبقي الموقف اللبناني هشاً وبلا حصانات داخلية يستقوي بها، وتمكنه من الصمود في مواجهة شروط اسرائيل، وتزخيم المطالبة بوقف عدوانها، والانسحاب، والسماح بعودة آمنة للسكان، وإطلاق الأسرى.
التحدي التاريخي: الدولة أم التفكك؟
يتداخل المسار اللبناني اليوم مع ملفات فلسطين وسوريا وإيران، في لحظة إقليمية تميل فيها إسرائيل إلى إدارة الصراع لا حله، وإلى إبقاء المنطقة في حالة عدم استقرار دائم. وفي هذا السياق، تبدو مشاريع التفاهمات الأمنية المطروحة، سواء مع لبنان أو سوريا كما في قطاع غزة، أقرب إلى ترتيبات ضبط أمني تخدم مصالح القوى الكبرى، لا إلى حلول عادلة ومستدامة لشعوب المنطقة.
وفي ضوء هذا التشابك المعقّد للملفات اللبنانية والسورية والفلسطينية، يتجدد السؤال التاريخي حول مصير كيانات بلدان المنطقة وحقوق شعوبها في امتلاك أوطان ذات سيادة. وهو سؤال يضع شعوبها وتشكيلاتها الاجتماعية كافة أمام مسؤولياتها التاريخية في استعادة دورها وحماية بلدانها من التفكك.
إن تمكين الدولة الوطنية الجامعة، القادرة على الصمود في مواجهة العدوان والشروط الإسرائيلية، لا يمكن أن يتحقق في لبنان إلا عبر كسر الحلقة الطائفية، وإجبار تيارات واحزاب الطوائف بأن تتخلى عن مشاريعها الفئوية التي لم تتضمن يوماً بناء الدولة. إن استنهاض وتجميع قوى المجتمع وتفعيل دورها في مسار إعادة بناء الدولة على النحو الذي يضع المصلحة العامة فوق الحسابات الفئوية، هو الطريق الوحيد الذي يضمن بقاء لبنان وتمكينه من الصمود في مواجهة شروط الاخضاع، وفتح الأفق نحو استعادة السيادة الوطنية، في لحظة إقليمية هي الأخطر منذ عقود.
