سياسة مجتمع

لبنان امام الخيارات الصعبة

زكـي طـه

بيروت 10 كانون الاول 2025 ـ بيروت الحرية

لم يكن الإعلان عن قبول لبنان الرسمي بالتفاوض عبر لجنة الإشراف على تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار وتنفيذ القرار 1701، وتكليف أحد الدبلوماسيين اللبنانيين المحترفين برئاسة الوفد اللبناني، تعبيراً عن إرادة سياسية حرّة بقدر ما كان مخرجاً اضطرارياً لتجنّب حرب تدميرية جديدة، وسط تشابك العوامل الداخلية والخارجية، على نحوٍ يبقي لبنان ساحة اختبار لتوازنات كبرى وصراعات مدمّرة تتجاوز قدرته الذاتية.

وضع القرار لبنان على عتبة مرحلة مفصلية تتجاوز حدود الجغرافيا والسيادة، لأنه كان ولا يزال محاطاً بكمٍّ هائل من الضغوط الأميركية والتهديات الإسرائيلية، التي تتكامل سياسياً وإعلامياً وعسكرياً لفرض واقع جديد على البلد، من خلال إجباره على الدخول في مسار تفاوضي تتداخل فيه عناصر الإكراه المباشر مع محاولات الاستنزاف غير المرئية. فإسرائيل، التي لم توقف حربها على لبنان، لم تكتفِ برفض الانسحاب وتصعيد غاراتها التدميرية يومياً، بل تعمّدت رفع سقف تهديداتها وأتبعتها بتحضيرات ميدانية واسعة، استعداداً لتفجير الوضع عند أول فرصة تسمح لها بجني مكاسب استراتيجية  لمشروع اسرائيل الكبرى. يجري ذلك بالتوازي مع سعي واشنطن لتوفير الإطار السياسي والدبلوماسي الذي يحوّل أي مواجهة مقبلة إلى معركة محسومة سلفاً، في مسار هندسة أوضاع المنطقة، لتكريس استراتيجية السيطرة والهيمنة والإخضاع التي تتشارك أهدافها مع تل أبيب.

 توازنات قاهرة

وعطفاً على النتائج التدميرية لحرب الإسناد التي قرّرها حزب الله، قبل أن يوافق على اتفاق مُلزِم للبنان وفق الشروط الإسرائيلية، أتى قرار التفاوض في ظل احتدام الانقسام الداخلي حول رفض الحزب تسليم سلاحه، بالتوازي مع  تصاعد حالة القلق المستدام حول قضايا الاقتصاد والإعمار والإصلاحات المالية وقانون الانتخابات. وهي قضايا ترتفع وتيرة النزاع بشأنها مع كل تصريح يصدر عن موفد أجنبي أو عربي يكرر شروط الدعم للبنان ويطالب المسؤولين بتعديل صيغة المشاركة في المفاوضات، ويحذّرهم من جدية التهديدات الإسرائيلية. وبذلك وجد أهل الحكم أنهم أمام خيار اضطراري يقضي بسلوك المعبر الضيق المتاح أمامهم لتفادي تعريض لبنان لحرب مدمّرة تتجاوز تداعياتها الحدود العسكرية إلى عمق الاقتصاد والبنية الاجتماعية ووحدة البلد.

لم يكن الإعلان عن القبول بخيار المفاوضات سوى تتويج لمسار نتج عنه وضع لبنان اليوم عند واحدة من أدقّ اللحظات في تاريخه الحديث، في توازٍ كامل مع ما يواجهه الوضعين الفلسطيني والسوري وسواهما من تحديات مصيرية، في ظل النتائج التدميرية للحرب المفتوحة في سياق استراتيجية الفوضى الخلاقة التي تمسك الولايات المتحدة وإسرائيل بخيوطها.

 رهانات وهمية

ورغم أنّ بعض الأطراف اللبنانية والعربية يعلّق آمالاً على وجود اختلافات أميركية ـ إسرائيلية يمكن الاستفادة منها لتخفيف الضغوط أو منع الحرب، إلا أنّ طبيعة المصالح والأهداف المشتركة، تؤكد أنّ ما يجري ليس أكثر من تباينات تكتيكية في أساليب التنفيذ وليس في جوهر الاستراتيجية. فالعلاقة التي تجمع واشنطن بتل أبيب علاقة وظيفية بامتياز، قائمة على رؤية مشتركة لإعادة هندسة الشرق الأوسط بما يتيح لهما التحكم بموارده ومساراته السياسية والأمنية والاقتصادية.

وفي هذا الإطار، يصبح الجدل حول عمق الخلافات بينهما أضغاث احلام يداعب خيال الأطراف التي تبحث عن منفذ يتيح لها الاستفادة أو تجنّب الاصطدام بالواقع. هذه حال رهانات حماس في غزة على إمكانية اعتمادها سلطة بديلة عن منظمة التحرير بعد استغلال دورها ومساهمتها في تكريس الانقسام. ولا يختلف الأمر مع الرهان على واشنطن من قبل السلطة الفلسطينية لتعديل موقفها من حل الدولتين باعتباره الخيار السياسي الاهم راهناً لإبقاء شعلة قضيتها الوطنية حيّة. وفي السياق نفسه تقع رهانات العواصم العربية التي تنتظر تدخلاً أميركياً لوقف الحرب أو لجم إسرائيل إرضاءً لها. وقد فات هؤلاء جميعاً أن رهاناتهم تطعَن بها حقيقة ثابتة، تتعلق بعدم وجود موازين قوى قادرة على تعديل أو تفكيك التحالف الاستراتيجي الأميركي ـ الإسرائيلي.

 شراء الوقت

وسط هذه المعادلات، يصبح لبنان الحلقة الأكثر هشاشة. فالانقسامات الداخلية أضعفت مناعة نظامه السياسي، والتجاذبات الإقليمية أبقته مشدوداً باتجاهات متعارضة ومتناقضة في آن، ما جعله ساحة مثالية لتصفية الحسابات. ولأن القدرة على الصمود في مواجهة التهديدات الاسرائيلية والضغوط الأميركية المباشرة، التي وجد المسؤولون انفسهم أنهم مجبرون اضطراراً على قبول الدخول في المسار  التفاوضي ورفع مستوى التمثيل في اللجنة. وهو قرار سمح لواشنطن بأن تطلب من إسرائيل تسمية مندوبها، على نحوٍ يوحي بأنّ التهديد بالحرب جرى تأجيله ولو مؤقتاً، لأن منصة التفاوض تمكّنها من توسيع جدول الأعمال الذي لا يقتصر على وقف إطلاق النار، بل يمتد ليشمل ترتيبات أمنية واقتصادية وحدودية، تتضمن إنشاء منطقة عازلة جديدة بإشراف قوة دولية قد تكون بديلاً عن اليونيفيل.

من الواضح أن الدولة اللبنانية اختارت سياسة شراء الوقت وهي تدير ما يواجهه البلد من أزمات ومخاطر، وهي تحاول الاستفادة من الدعم الدولي المعلن لتجنّب السيناريو الأسوأ. وقد ساهمت زيارة البابا ليون الرابع عشر في إضفاء مناخ إيجابي داخلي وخارجي سمح للحكومة بالمضي في خطواتها، ظنّاً منها أنها قادرة على إحراج إسرائيل لفتح نافذة تفاوضية صغيرة. لكن الأخيرة سارعت لتجديد الإعلان عن أهدافها وشروطها، وغايتها إحراج الدولة اللبنانية عبر تسويق المفاوضات كخطوة باتجاه السلام والتطبيع الاقتصادي، ومحاولة دفع حزب الله إلى رفضها بطريقة تجعل هذا الرفض مبرراً لاستمرار العمليات العسكرية والضغط الدولي على لبنان.

حزب الله أسير مأزقه

لم يتأخر موقف حزب الله الذي رأى في تعيين ممثل مدني في اللجنة خضوعاً وتنازلاً مجانياً أمام الضغط الأميركي ـ الإسرائيلي. وهو موقف يبقيه في مواجهة مباشرة مع الدولة التي يحملّها المسؤولية، بديلاً عن دعمها وتحصينها في مواجهة الشروط الإسرائيلية. وما يعكس فداحة مأزق الحزب، رفضه الاعتراف بقسطه من المسؤولية عما آلت إليه اوضاع البلد، والإقرار بخسارة قدرته على استخدام ما تبقى لديه من قدرة عسكرية في مقاومة جيش الاحتلال أو مواجهة العدوان اليومي الذي يتعرض له. علماً أن الخسائر التي مُني بها، بسبب حرب الإسناد أو خلال حرب الستة والستين يوماً، قد كشفت حدود قدرته على مواجهة اسرائيل، في ظل موازين القوى الإقليمية الراجحة التي تمتلكها. ورغم ذلك، تهرب قيادته إلى إعادة إنتاج سردية الانتصار بقوة الدعم الإيراني الذي يعكس طبيعة العلاقة العضوية بينه وبين طهران، والتي تجعل قرار سلاحه ودوره جزءاً من منظومة إقليمية لا تخضع ولا تعبر عن المصلحة الوطنية اللبنانية.

جذرية الاهداف الاسرائيلية

إن الارتباط  بإيران والرهان على اميركا لا يسهّلان مهمة الدولة اللبنانية. كلاهما يعطّل قدرتها على فرض حصرية السلاح، كما يكشف عجز الجيش عن بناء منظومة دفاع مستقلة رغم الدعم الدولي المشروط. والأخطر منح إسرائيل ذرائع إضافية لتقديم نفسها كجهة تحاول تقوية الدولة عبر مسار تفاوضي يشمل قضايا أمنية واقتصادية وحدودية، استناداً إلى استراتيجية تحريض الدولة والناس ضد الحزب وبقوة الضغط الميداني الذي يشمل غارات واغتيالات وضربات تستهدف الأحياء السكنية، وتدمير البنية التحتية لخلق وقائع جديدة تُستخدم لاحقاً في فرض شروط تفاوضية أكثر قسوة.

وفي ظل هذا الضغط المركّب، تقع خطورة ما يواجهه لبنان، وفيه تكمن أهمية تمسك الوفد اللبناني في الناقورة بالإطار الأمني ـ العسكري للمفاوضات، ومحاولة حصر النقاش بوقف الاعتداءات والضربات الجوية، والإفراج عن الأسرى، والانسحاب من الأراضي المحتلة، والالتزام بتنفيذ القرار 1701 وبمبدأ حصرية السلاح بيد الدولة، في موازاة رفض الطروحات الإسرائيلية، التي تدفع نحو منطقة عازلة خالية من السكان أو ترتيبات اقتصادية مستقبلية. وفي السياق ذاته تقع أهمية الاستقواء بقرارات مجلس الأمن ومواقف ممثلي اعضائه حول مستقبل الجنوب بعد انتهاء ولاية اليونيفيل، وإمكان استقدام قوة متعددة الجنسيات.

حدود القدرة والسؤال الصعب

وعلى أهمية هذه المواقف، تبقى المشكلة في قدرة الدولة على تحويلها إلى واقع عملي، وفي استعداد المجتمع الدولي لممارسة ضغط فعلي على إسرائيل. فالحرب قد تكون مؤجلة، لكنها لم تُلغَ. والضغط الأميركي ـ الإسرائيلي لا يزال يتقدم بخطى ثابتة وغايته: نزع السلاح، إعادة ترتيب وضع الجنوب، وتعديل دور الدولة وبنيتها الأمنية بما يتوافق مع تصور استراتيجي يضمن أمن إسرائيل، على حساب سيادة لبنان. في المقابل، يستمر حزب الله في رفض هذا المسار، مستنداً إلى حسابات إيرانية وهدفه حماية بيئته من التفكك والانهيار، والاهم كيف يضمن موقعه في السلطة.

وهكذا يبدو لبنان محاصراً بين قوتين: قوة إسرائيل العسكرية المدعومة أميركياً التي تحاول فرض شروطها بالقوة، وقوة حزب الله الداخلية التي تفرض “فيتو” يمنع الدولة من اتخاذ أي قرار سيادي كامل ومن ورائه ايران. وبين هذين الحدّين، تحاول الدولة المحاصرة بالانقسامات الداخلية وصراعات أحزاب الطوائف أن تبقي خيط الشرعية الدولية ممدوداً، أملاً في تحويل الدعم الأممي إلى فرصة لاستعادة السيادة وبناء قرار وطني مستقل.

وعليه، يبقى السؤال الجوهري معلّقاً: هل يستطيع لبنان الخروج من دائرة الصراع المفتوح التي حوّلته إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية؟ أم أن هشاشة الوضع الداخلي ستبقيه رهينة مسار مفروض عليه، يتحرك بين نار إسرائيل وقيود حزب الله، من دون قدرة حقيقية على صياغة مستقبل يملكه اللبنانيون الذين ينتظرون من يبني لهم دولة ووطن.