سياسة مجتمع

كسر منطق الدولة واستعراض القوة وتهديد فرصة الانقاذ

زكـي طـه

بيروت 29 أيلول 2025 ـ بيروت الحرية

لم يكن ما جرى حول صخرة الروشة مجرّد خرق إداري أو استعراض رمزي لحزب الله. ما حصل شكّل لحظة كاشفة على تلاشي ما تبقّى من هيبة الدولة، وانكشاف السلطة أمام سطوة الطرف المسلّح، في توقيت بالغ الحساسية داخلياً وإقليمياً، وفي مرحلة يُفترض أنها آخر ما تبقّى من فرصة لإنقاذ لبنان واستعادة مشروع بناء الدولة والخروج من أسر الاحتلال الإسرائيلي.

كان يمكن الاكتفاء بغضّ النظر عن نشاط حزب الله في الذكرى السنوية لاغتيال نصرالله وصفّي الدين، على قاعدة أنّ تمريره بأقل الأضرار أجدى من فتح مواجهة عبثية. لكنّ تدخّل وتحريض بعض نواب بيروت، ودعاة الوصاية من احزاب السلطة على العهد والحكومة، واستنفار السياديين،  من مواقعهم الطائفية،  كلها ساهمت في اندفاعة رئيس الحكومة لإثبات أنّ الدولة “لا تزال تقرّر وتمنع”، من ناحية، وأن الحكومة لا تكتفي بالكلام بل هي قادرة على الفعل، خلافاً لرأي الموفد الاميركي. الامر الذي  فتح الباب على إحراج مزدوج: الدولة ظهرت عاجزة، والحزب أصرّ على كسر قرار المنع عمداً. وهكذا تحوّل رئيس الحكومة، الذي حاول التقاط لحظة سياسية لرفع سقف السلطة، إلى شاهد على مشهديّة تقول بوضوح إن قراره لا ينفذ لأن إمرة مؤسسات الدولة في مكان آخر.

ما جرى لم يكن حادثاً منفصلاً. فقيادة الجيش اللبناني قدّمت خطة لسحب سلاح الحزب، لكنّها ربطت تنفيذها بتفاهم حول وقف الأعمال العدائية. وهو ما شكل تجاهلاً لقرار الحكومة الذي استند إلى الطائف والبيان الوزاري وخطاب القسم، من دون ربط التنفيذ بأي استحقاق آخر. وعليه بدا رئيس الحكومة خارج المشهد، والأجهزة أقرب إلى منطق العهد السابق الذي تتحكم به التوازنات القائمة، والحزب يصوّب على الحكومة ورئيسها بلا انقطاع. وعندما حاول ممارسة صلاحياته، تبيّن أنّ السلطة التنفيذية ليست ملك يديه، وأن المؤسسات تنفصل تلقائياً عن إرادة رئيسها عند أول اختبار.

الفرصة المتاحة تحتضر

الفضيحة لم تكن فقط في كسر القرار، بل في رمزية المكان والتوقيت والرسائل المتوخاة. والأجهزة الأمنية كانت على علم مسبق بأن الحزب لن يلتزم، وهي ليست بصدد منع الحشود ولا الدراجات المائية ولا الاحتفال. بدا الأمر وكأن الدولة تسلّم مسبقاً بانكسارها، لتُسقط أي ذريعة للقول إنها تحاول استعادة المبادرة. ومع ذلك، لا يملك رئيس الحكومة سوى خيارين كلاهما مكلف بالنظر لما يترتب عنه، سواء  لجهة التسليم بالأمر الواقع والذهاب إلى دور تصريف الاعمال، أو الاستقالة التي تفتح فراغاً عاماً في السلطة يصعب ملؤه راهنا، دون اغفال ما يشكله ذلك من هزيمة  للطموحات الانقاذية والاصلاحية التي رفع رايتها قبل وبعد تكليفه  تشكيل الحكومة.

لقد تجاوزت الصدمة خرق قرار منع إضاءة الصخرة. لأن ما حدث ولّد استفزازاً طائفياً وشعبياً وسياسياً، ليس بسبب الإضاءة، بل بما رافق ذلك من ممارسات استفزازية، بعضها تحد لرئاسة الحكومة وموقعه وصلاحياته ورمزيته الطائفية. وبعضها الآخر استعمال صورة رفيق الحريري، ما شكل تحدياً إضافياً لمشاعر بيئة تعتبر الحزب مسؤولاً عن اغتياله، بموجب حكم المحكمة الدولية. ولذلك بدا مسلك الحزب وكأنه استعراض  للقوة في مواجهة بيروت العاصمة، وتطييف للمشهد السياسي، وإدارة الظهر لكل محاولات لملمة الوضع الداخلي.

والنتيجة برّزت صورة لدولة مهترئة، وحزب يراكم نقاطاً إضافية في معركته مع شركائه في الحكم والوطن على السواء، وهم الذين يتشارك معهم تبادل الخدمات المجانية على حساب الدولة ومؤسساتها. وفي خلفية الصورة تبدو فرصة الإنقاذ  باهتة وتكاد تختفي تحت ثقل الإخفاق الداخلي والضغط الخارجي. في الداخل، العهد والحكومة يقيمان في أحضان احزاب الطوائف المتصارعة، على المواقع والحصص وعلى إبقاء الاصلاحات بعيدة عن اهداف بناء الدولة. والخارج يضغط على لبنان لانه لا يرى في أداء السلطة شريكاً موثوقاً لإعادة بناء الدولة، وهي التي لا ترى في ضعف حزب الله ظرفاً مناسباً لانتاج تسوية تخضع سلاحه لسيطرتها.

وبذلك يواجه لبنان خطر إضاعة لحظة الاهتمام الخارجي كما أضاع ما سبقها من فرص، والاسباب مردها غياب خطة إنقاذية، وحكومة غير فاعلة، وقرار سيادي مصادر، والاهم تعدد مرجعيات المؤسسات والاجهزة المعنية بتنفيذ القرارات.

 تبدّل ساحات الاشتباك

الأسوأ أنّ ما جرى يتزامن مع تحوّل خطير في المنطقة. فالكلام المتزايد عن وقف الحرب في غزة لا يعني نهاية الاشتباك، بل إعادة تنظيم  لساحاته. يجري التلويح بتبريد الجبهة الفلسطينية مقابل فتح جبهة التوتر مع إيران، واستطراداً مع ذراعها اللبناني، لأن حزب الله لم يعد في موقع المواجهة ضد اسرائيل، بل في موقع الاستثمار الإيراني للتفاوض مع واشنطن. والجهات الدولية لا تنظر إلى الحزب من خلال ملف الاحتلال أو المقاومة والتحرير، بل كأداة ضغط تُستخدم في لعبة العقوبات والملف النووي وطموحات النظام الإيراني. وبذلك، يعود لبنان مجدداً ساحة تفاوض وتبادل للرسائل لا طرفاً في تسوية.

ومع انخراط طهران في الدعم العلني للحزب، وتزايد التصريحات الأميركية الضاغطة على المسؤولين اللبنانيين، يعود شبح تعطيل التسوية وخطر الاطاحة بإمكانية حصولها، جراء غياب الإرادة الداخلية والقدرة على استثمار لحظة الضعف النسبي للحزب، أو لحظة الرغبة الدولية في انهاء الاحتلال الإسرائيلي. وإذا سقط ما تبقى من إمكانية إمساك الدولة بالورقة الأمنية، فإن أي حديث عن حصرية السلاح أو عن انسحاب الاحتلال أو عن إعادة تكوين الشرعية الوطنية، يصبح مجرّد لغو سياسي.

وهم الانتصار والبديل الكارثي

لقد سجّل الحزب نقطة انتصار على العهد والحكومة وكلاهما نتاج الاتفاق الذي  وافق عليه لوقف اطلاق النار مع اسرائيل في ظل الاحتلال ووفق شروطها. وبذلك أكد قدرته المتجددة على أسر المشهد اللبناني برمّته. والمؤكد أن الانتصار لم يكن لجمهوره بقدر ما هو انتصار لأجندته الخارجية على حساب الدولة، الامر الذي يهدد الفرصة المتاحة لإعادة بنائها، على النحو الذي يهدد مستقبل البلد. لقد تلقت مؤسسات الدولة ضربة موجعة، داخلياً وخارجياً، ليس لأنها عجزت عن تنفيذ ما اتخذته من قرارات وحسب، بل لأنها لم تُظهر حدّاً أدنى من الانسجام بين أركانها ومرجعياتها الرئاسية في معالجة تداعيات ما حصل.

والانتكاسة لا تُقاس بحادثة الروشة، بل بما كشفته على صعيد الوضع الحكومي وولاءات أجهزة الدولة ومؤسساتها، وحول وظائف الضغط  الدولي على لبنان،  وتماهيها مع شروط اسرائيل وتبرير عدوانها المستمر، وهي التي تجد في الفوضى والعجز فرصة للتمدد لا للانسحاب وانهاء الاحتلال، بالتوازي مع عودة التوتر الأميركي ـ الإيراني وإعادة تدوير دور حزب الله في لعبة التفاوض الخارجي، بدل دفعه نحو الانكفاء الداخلي.

إن فرصة الإنقاذ ليست الآن في طور الاهتزاز فقط، بل ربما دخلت في طور الاحتضار. وإذا لم يبادر المعنيون بالامر إلى تحويل هذا الانكشاف إلى لحظة مواجهة سياسية وطنية شاملة تُعيد الاعتبار للدولة كمرجعية وحيدة، فإن القادم من الايام ينطوي على مخاطر تصاعد وتيرة العدوان وتمدد الاحتلال بحجّة غياب الدولة، وتعاظم نفوذ الحزب بحجّة حماية الطائفة أو مواجهة إسرائيل، وانكفاء الخارج الغربي والعربي بحجة أنّ لبنان لا يملك قراراً ولا مشروعاً انقاذيا.

نحن أمام مشهد لا ينتج دولة ولا مقاومة، بل يُسقط الاثنين معاً، والنتيجة بقاء لبنان ورقة تفاوض تُستهلك في عواصم القرار، وعلى مذبح المصالح الاسرائيلية والايرانية والاميركية. إن الخطر الجوهري لا يكمن فقط في أن حزب الله خرق قراراً بقوة السلاح الذي يرفض تسليمه للدولة، بل في القوى التي تتبنى مشروع إعادة بناء الدولة شعاراً يفتقد للقوى صاحبة المصلحة فيه، الامر الذي يجعل الخارج يتصرّف على أساس أنّ لبنان حالة ميؤوس منها، وأن الاحتلال يستطيع الانتظار، والإنقاذ يمكن تأجيله لأن الداخل عاجز وغير مؤهل لبناء دولة وحماية وطن.

بيروت 29 ايلول 2025