خطر لي، وأنا أقرأ عن صدور كتاب بعنوان “تاريخ الإبادة”، وأتابع الأخبار حول الفيلم الإسرائيلي “نازا” الذي قيل إنَّه هزَّ إسرائيل بقدر ما هزَّ العالم، سؤال لا يقلُّ فظاعةً عن الموضوع نفسه: هل يُعقل أن نُصنِّف كوارث الوجود الكبرى كما درجنا على تصنيف الأفلام أو الأغنيات في سلَّم صاعد لأفضل عشرة أو أكثرها رواجاً؟ السؤال فظيع، حتماً، لا بل إنَّه لا أخلاقي، إذ إنَّ قتل إنسان واحد ينبغي أن يكون كافياً لخلخلة نظام الكون بأسره. إلَّا أنَّه (السؤال) كفيل بفضح التناقض الجوهري الذي يُميِّزنا بشراً: كائنات هشَّة وضعيفة، وفي الوقت نفسه، مُرعبة عتيَّة قادرة على أسوأ أنواع الشرور والقسوة.
لنلعبها إذن، تلك اللعبة المقيتة ولنرَ بأيَّة إبادة نبدأ: بالأحدث، بالأكثر دموية، أم بتلك التي محَت أكبر عدد من البشر؟ ولنسأل: هل خفَّفت الحداثة من وطأة الشر، أم إنَّها، على العكس، كشفت كم أنَّ العقل، حين ينفصل عن الضمير والأخلاق، يصير أداة قتل أكثر إبداعاً وفاعلية؟ هذا وقد تكمن المفارقة في أنَّ كلَّ محاولة للتصنيف ستصطدم بعائق أنطولوجي، إذ كيف لنا أن نقيس ما هو قطيعة أو امِّحاء لعائلة، لغة، ذاكرة، ومستقبل لم يحدث في الأصل. أجل، الأرقام هنا مدافن وقبور أكثر ممَّا هي نتائج إحصائيات، وكلُّ رقم هو وجه واسم وحكاية تمَّ اجتثاثها بعنفٍ من الحياة.
والحال أنَّنا إذا ما اعتمدنا عددَ الضحايا معياراً للاختيار فسوف تحتلُّ إبادةُ السكان الأصليين في الأميركتين الصدارة، وقد كانت من أكبر المآسي البشرية وتكوَّنت من سلسلة طويلة من الحروب وأشكال الاستعباد والتهجير وانتشار الأمراض التي جلبها معهم الفاتحون على أنواعها. ففي جزر الكاريبي، بعد وصول الإسبان عام 1492، بدأ شعب التاينو بالتناقص مع تقديرات متباينة أشارت إلى انخفاضٍ هائل في أعداد السكان خلال العقود التالية. فهناك، رافقت السيفَ الجرثومةُ، فكان أن حصد الجدري وحده أعداداً هائلة من بشر ما كانوا يتمتّعون بأيَّة مناعة ضدّه. وبعد ثلاثة عقود، سقطت إمبراطورية الأزتيك عام 1521، ثمَّ جاءت مواجهة الإنكا في البيرو عام 1532. وفي الحالتين، تحقَّق الانتصارُ الإسباني بالتفوُّق العسكري بالطبع، وأيضاً بفضل الأوبئة والحروب الداخلية والتحالفات المحلية.
القرن العشرون، للأسف، زاخر بالأمثلة الدموية التي طوَّرت أكثر من أسلوب للإجهاز على الجماعات والشعوب، بدءاً بإبادة الأرمن بين 1915 و1917 حيث جرى اللجوء إلى الترحيل، ومسيرات الموت، والتجويع والعطش والقتل، مضافة إليها مأساة معركة أخرى تتعلَّق بالذاكرة والاعتراف، لأنَّ تركيا ما زالت ترفض الاعتراف بها. ولا شكَّ أنَّ الإبادة تستمرُّ تنبض بقوة حينما يجري إنكارها.
الهولوكوست من جانبه، جسَّد ما اتُّفق على اعتبارها “حداثة الشر”، حيث قُضي على ملايين اليهود، إلى جانب ملايين أخرى من ضحايا الاضطهاد النازي، وقد عُهد بقتلهم إلى منظومة بيروقراطية ابتدعت سجلات وقطارات ومعسكرات وغرف غاز، وتضمَّنت جهازاً كاملاً من الجنود والموظفين يُنفِّذون مهامَّهم لتسيير آلة الموت. ولا ننسى رواندا التي قدَّمت عام 1994 معياراً آخر للفظاعة، وقد جرى القضاء على 800 ألف ضحية خلال مائة يوم فقط! لا غرف غاز ولا مصانع موت، بل سواطير ومناجل وسكاكين، مع المطاردة والتقطيع والذبح، للأطفال والنساء والرجال، وجهاً لوجه، ذلك أنَّ الشر، عندما يقتنع بأنَّ الآخر ليس إنساناً، يعمل بلا رحمة أو تفكير، وبما يقع تحت يديه من أدوات.
أخيراً، يُعيد ما يجري في غزّة، منذ 8 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، السؤال إياه إلى مكانه الأول، فبعد حربين عالميتين، وكلّ تلك الكتب والشهادات والمحاكم والمواثيق، حيث أقسم العالم ألَّا تتكرَّر المأساة، ما زال البشرُ يقفون أمام المشهد نفسه، وإن اختلفت الأسماءُ والأدوات. ولا بدَّ أنَّ نتنياهو، ومن قبله قادة إسرائيليون متعاقبون، قد دخلوا هذا السباق، متفوِّقين، من خلال ما يرتكبون، مستعينين بالذكاء الاصطناعي، ويندرج في تاريخ طويل من الاقتلاع والعنف ضدَّ الفلسطينيين، وذلك منذ أن وطئت أقدام الصهاينة أرضهم.
* تم النشر بتاريخ 29 أيلول 2026 على موقع العربي الجديد
