* أسامة محفوظ
في سابقة على المستوى الأكاديمي الدولي، قررت “الجمعية الدولية لعلم الاجتماع” -الأسبوع الجاري- تعليق عضوية الجمعية الإسرائيلية لعلم الاجتماع.
وجاء في نص قرار اللجنة التنفيذية للجمعية، الذي تم اعتماده يوم 29 يونيو/حزيران المنقضي، أن “الجمعية الدولية لعلم الاجتماع تُجدد تأكيدها أنها -في إطار موقفها العلني ضد الإبادة الجماعية للفلسطينيين في غزة- لا تربطها أي علاقات بالمؤسسات العامة الإسرائيلية”.
وأضاف: “نأسف لعدم اتخاذ الجمعية الإسرائيلية لعلم الاجتماع موقفا واضحا يدين الوضع المأساوي في غزة. وفي قرار يعكس خطورة الوضع الراهن الفائقة للعادة، قررت اللجنة التنفيذية تعليق العضوية الجماعية للجمعية الإسرائيلية لعلم الاجتماع”.
نأسف لعدم اتخاذ الجمعية الإسرائيلية لعلم الاجتماع موقفا واضحا يدين الوضع المأساوي في غزة. وفي قرار يعكس خطورة الوضع الراهن الفائقة للعادة، قررت اللجنة التنفيذية تعليق العضوية الجماعية للجمعية الإسرائيلية لعلم الاجتماع”
وارتبط القرار بتنظيم المنتدى الخامس لعلم الاجتماع التابع للجمعية الدولية، الذي يتم بالتناوب مع مؤتمر الجمعية، والذي تقرّر عقده في العاصمة المغربية الرباط، في الفترة من 6 إلى 11 يوليو/تموز الجاري.
ندين الجامعات ومؤسسات التعليم العالي في إسرائيل التي لعبت دورا محوريا في نظام إسرائيل الاستعماري الاستيطاني ونظام الفصل العنصري، بما في ذلك صلاتها بالمخابرات العسكرية، ومحاولات قتل المعرفة، ومحاولات قتل المدارس”
كما يأتي القرار بعد “بيان التضامن مع الشعب الفلسطيني” الذي أصدرته الجمعية الدولية في 13 مايو/أيار الماضي، ودانت فيه “الجامعات ومؤسسات التعليم العالي في إسرائيل التي لعبت دورا محوريا في نظام إسرائيل الاستعماري الاستيطاني ونظام الفصل العنصري، بما في ذلك صلاتها بالمخابرات العسكرية، ومحاولات قتل المعرفة، ومحاولات قتل المدارس”.
ودعت الجمعية -في البيان ذاته- إلى “إنهاء الإبادة الجماعية في غزة والعنف المتصاعد في الضفة الغربية، والإنهاء الكامل للاحتلال العسكري الإسرائيلي وجميع الممارسات الاستعمارية في هذه الأراضي، وكذلك في لبنان وسوريا”، إضافة إلى “إنهاء الظروف الشبيهة بالفصل العنصري التي يواجهها الفلسطينيون الحاملون للجنسية الإسرائيلية، وتهيئة الظروف التي تُمكّن من عودة اللاجئين الفلسطينيين، بما في ذلك ضمان حياة كريمة وقابلة للحياة عند عودتهم، والتوصيل العاجل وغير المقيد للمساعدات الإنسانية -مثل الغذاء والرعاية الصحية والمياه- التي تعوقها حكومة إسرائيل حاليا”.
واختتم البيان بالدعوة إلى “حماية الحرية الأكاديمية وحرية التعبير للجميع، وخاصة لأعضاء هيئة التدريس والطلاب الذين يُجرون أبحاثا ويُدرّسون ويتحدثون ضد ممارسات حكومة إسرائيل العنيفة، سواء داخل إسرائيل أو عالميا”.
وتعدّ الجمعية الدولية لعلم الاجتماع أهم جمعية في العلوم الاجتماعية على مستوى العالم، وأُسست سنة 1949 تحت إشراف منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو)، وتضم في عضويتها أكثر من 167 دولة، وقد انضمت إليها الجمعية الإسرائيلية لعلم الاجتماع سنة 1967.
ساري حنفي: يجب دعم حركة المقاطعة
وفي حديث للجزيرة نت، أفاد الأكاديمي الفلسطيني والرئيس السابق للجمعية الدولية لعلم الاجتماع، الأستاذ الدكتور ساري حنفي، بأن الأشهر الماضية شهدت محاولات متواصلة ليس فقط للمطالبة باعتبار الحرب على غزة حرب إبادة جماعية، والاعتراف بطبيعة الصراع العربي الإسرائيلي بوصفه استعمارا إحلاليا ونظام أبارتايد، بل كذلك لاعتماد موقف صريح بدعم حركة “المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات” (BDS).
مع الأسف، قوبل هذا المسعى بالرفض، إذ لم يُتبنَ البيان الذي صغته، باسم مجموعة سوسيولوجيون من أجل فلسطين، وهي مجموعة قمنا بتأسيسها خصيصا لهذا الغرض. وبعد مرور شهر من الانتظار، حظي البيان بالموافقة على مجمل بنوده، باستثناء الفقرة المتعلقة بحركة المقاطعة”، يقول حنفي، مضيفا: “بناء عليه، تواصلتُ مع عدد من رؤساء الجمعية السابقين، إلى جانب نوابها، وطلبتُ منهم التوقيع على البيان، في محاولة لممارسة ضغط مباشر على اللجنة التنفيذية للجمعية. غير أن هذا المسار لم يفضِ إلى النتيجة المرجوة”.
وأكد أستاذ علم الاجتماع بالجامعة الأميركية ببيروت أن ما أحدث الفارق الحاسم في هذا السياق كان الضغط المنسّق الذي مارسته حركة “المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات” في كيبيك، إضافة إلى الطرف المغربي، وتحديدا حركة المقاطعة ذاتها في المغرب. هذا الضغط أسهم في دفع إدارة الجمعية إلى عرض المسألة على اللجنة التنفيذية، التي أقرّتها لاحقا بأغلبية ساحقة، عقب إدراكها خطورة التهديد بمقاطعة المؤتمر العالمي المزمع عقده في مدينة الرباط المغربية.
واعتبر حنفي هذا التطوّر إنجازا مهما، وإن لم يكن كافيا في ظل طبيعة التحديات المطروحة، قائلا: “نطمح في المرحلة المقبلة إلى مواصلة العمل باتجاه وضع معايير واضحة لمشاركة الأفراد والمؤسسات في المؤتمرات الدولية، بحيث يُشترط رفض أي شكل من أشكال الاستعمار، والاعتراف بالحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، ونأمل أن يُعتمد هذا الإطار بعد اختتام المؤتمر”.
ورجّح حنفي أن يُتخذ قرار جماعي خلال المؤتمر بمقاطعة أي ورشة عمل تُشارك فيها جهات إسرائيلية، علما أن المؤتمر يضم نحو 4500 مشارك، ويتضمن برنامجا على مدى 6 أيام، يشمل نحو 60 ورشة عمل تُعقد بالتوازي. “سنعمل على الامتناع عن حضور الورشات التي تشهد مشاركة إسرائيلية”، يؤكّد حنفي، الذي نوه بالدور المهم الذي اضطلعت به اللجنة التحضيرية في المغرب، التي أعلنت بوضوح رفضها استقبال أي وفد إسرائيلي، “وهو موقف مبدئي يُعد ذا أهمية بالغة في سياق مقاومة مسار التطبيع المتسارع الذي نشهده في المغرب”، حسب الأكاديمي الفلسطيني.
بوطقوقة: قرار تاريخي ضد “التواطؤ” وازدواجية المعاير
أما الدكتور مبروك بوطقوقة، عضو اللجنة التنفيذية بالجمعية الدولية لعلم الاجتماع (وهو العضو العربي الوحيد باللجنة حاليا)، فقد وصف قرار تجميد عضوية الجمعية الإسرائيلية بأنه “تاريخي”، وعزا ذلك إلى عدم إدانة هذه الأخيرة بوضوح للإبادة الجماعية الجارية في غزة نتيجة للاحتلال.
وخلص الأكاديمي الجزائري إلى أن الهدف من كل هذه المبادرات هو الضغط على الاحتلال الإسرائيلي من أجل وقف الإبادة، التي لا تقتصر على الشكل العسكري فقط، بل تشمل الإبادة المكانية والعلمية والإبستيمية (المعرفية) كذلك. وأضاف: “نأمل أن تتبنى مؤسسات أخرى حول العالم هذا التوجّه، وأن تنتشر حركة المقاطعة بشكل أوسع لتساهم بفعالية في الضغط على هذا الكيان”.
السعيداني: مناهضة التطبيع قضية مركزية
واعتبر السعيداني أن قرار التجميد “خطوة مهمة يمكن البناء عليها.. وربما الخطوة الأهم الآن هي الدفع في اتجاه أن تحذو جمعيات علمية عالمية أخرى حذو الجمعية الدولية، فإما أن تُعلّق عضوية الجمعيات الإسرائيلية أو أن تطردها تماما”، معلنا صراحة أنه “مع الطرد الكامل للجمعيات الإسرائيلية من هذه الهيئات العلمية”، لأن ذلك “من شأنه أن يجعل هذه الجمعيات أكثر انسجاما مع مبادئها المُعلنة، ومع ما تتضمّنه بياناتها الرسمية ولوائحها الداخلية، ومع القيم المتعلقة بحقوق الإنسان، والحقوق الأكاديمية، التي تزعم أنها تقوم عليها”.
الجامعات الإسرائيلية تدعم الإبادة الجماعية
في الأخير، نشير إلى أن “الحملة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية لإسرائيل” قد دعت إلى مقاطعة المنتدى المزمع تنظيمه بالرباط، وذلك رغم ترحيبها بقرار تعليق عضوية الجمعية الإسرائيلية.
وأضافت الحملة -في بيانها- أن الجامعات والمؤسسات الإسرائيلية تدعم اليوم هذه الإبادة الجماعية بنشاط، ولا تكتفي بالصمت أو عدم إدانتها.
* نشر على موقع الجزيرة بتاريخ 2 تموز 2025
