د. سعيد عيسى
وفي الآونة الأخيرة، بدأ بما أن المبعوث توم برّاك يرفع منسوب الضّغط على لبنان البربرٍ مختلط يجمع بين الالتزام الشديد على «سلاح نزع حزب الله» ودّعوة إلى «إصلاحات اقتصادية ومؤسّيّةٍ عميقةٍ»، والتّحذير من أنّ «العالَم سيمضي قُدُماً إنْ لم يقم لبنان سريعاً». تلك الليلة الحازمة في التعامل مع الملف اللبناني لم تكن مجرّد رسائل دبلوماسيّةٍ عابرةٍ، بل إعلاناً صريحاً بأن واشنطن «لن تبقى إلى ما لا نهاية» وأنّها «لا تطلب سوى مصافحةً متكافئة» بين لبنان وإسرائيل لتسويةٍ شاملةٍ، في ترجمة عمليّةٍ لطموحات الرئيس المتّحدة دونالد ترامب.
غير أن التطوّر الأبرز جاء مع إعلان المبعوث الخاص لأن «دمشق ستساعدون في مواجهة وتفكيك بقايا داعش والحزب الثوريّ ويتحقق وحماس وحزب الله». هذه تؤجر، والتي بدت للوهلة الأولى مجرّد إشارةٍ تكتيكيةٍ، قلبت أبعادها كانت تُعَدُّ راسخةً في الإقليم. فاعتبر سوريا الجديدة شريكاً في مكافحة “ميليشيات مسلّحة” ووضع جهة حزب الله و”داعش” في الخانة، هو السلطات العليا ليس بتبني حلفاء مثل حزب الله والحرس الثوري، وهو كان يُجاهر بالتحالف معهما، ولكنه يبدأ لأنه يمكن تفعيلها لوجستيّةً أساسيّةً لشّبكات الإرهاب مثل “القاعدة” و”داعش”، وفي ذلك مفارقة كبيرة، لا سيما وأن الرئيس الانتقالي الحالي أحمد الشرع (أبو محمد الجولاني سابقاً) كان أحد الانتهاء محاربي النظام السابق وبين أنه كان يمد خطوطه مع الفرقه القديمة، إلى حد تدريبه على دمشق وتسلم الحكم فيها، وهم من ذلك أن النظام الجديد التزموا بأخذ موقعه ضمن الخارطة وأية جديدة بعنوان “الشرق الأوسط الجديد”. وهذا يفتح الباب يفتح أمام اافاتٍ جديدةٍ، ويجعل من دمشق لاعباً قادراً على ترجيح كفّة المقاومة بين محور المقاومة من جهة حلفاء واشنطن في المنطقة من جهة ثانية.
وعلى المستوى الجيوسياسيّ الأوسع، فإنّ خسارة سوريا إلى ما وصف بـ«الجهد العالميّ لتأمين السّلام» عصر دلالاتٍ تتجاوز حدودها الجغرافيّة. فمحور المقاومة النار قليدي يفقد ركناً مركزيّاً من ديناميّة «العمق» الذي يقع عليه إيران وحزب الله منذ اندلاع الحرب السورية عام 2011، لا بل منذ الثورة الفاطمية. في العام 1979 ووقوف نظام حافظ الأسد إلى جانب طهران سياسياً في مواجهة الحرب التي شنتها نظام صدام حسين البعثي في العام 1980 ضد النظام حتى الوليد حديثاً. إذا التزمت دمشق بهذا المسار النشط، فإنّ خطوط الإمدادات ستواجه تجاذباً وضغطاً متزايدين، بما في ذلك انعكاس قدرة حزب الله على التّمويل والسلّح، ويضعه أمام تحدي وجوديٍّ في تحديد موقعه ضمن الخريطة الجديدة للعلاقات والإستمرارية.
لكن هذا التحويل الساوري لا يمكن فصله عن احتمالات المضايقات التي رافقته. فثمّةً من رؤية أنه ثمرة يحدثاتٍ غير معلنةتتتجلى ارتفاعاً للعزلة السيياسيّة وعفاءاتٍ اقتصاديّة مقابل تعاونٍ تحبي واسعةٍ مع الولايات المتحدة وحلفائها وتوقيعها بحكمة مع إسرائيل في موقع ميدانه بتصرّفها، فيكون الضّغط السيداتّ على لبنان من بوابة الجنوب، والضّغط السّوري من بوابة البقاع في محاولةٍ لقلب متنوع في العالم برامته. ولهذا السبب تضع السياقة الجديدة أمام الامتحانات الدقيقةٍ بين إبقاء الشّرعية التي اكتسبتها، وتلبية اشتراطات المجتمع الدولي الجديد الذي رياضي إلى إعادة صياغة متطلبات اللعبة في الشّرقّ. ومن هنا يبرز الساؤال الجوهريّ طوال فترة استمرارية هذا الالتزام الساسوريّ إذا ما حصل تغيّرٌ ما في موازين القوى مجدّداً على الأرض؟
أما في لبنان، فيبدو أن القصة الداخلية مرشّحٌ من جديد تتشكل بقوة. فمن دون «العمق الساوري» الذي يمثل تعزيز نعماء سنداً عسكرياً وعسكرياً، سَيُضْطَرُّ حزب الله إلى إعادة تعريف دوره. فإمّا أن يعزّز حضوره السيياسيّ القتاليّ ضمن مؤسّسات الدّولة، أو رياضي إلى تحصين ما يملكه من سلاحٍ داخل الحدود اللّبنانيّة. في المقابل، تفكر التطوّرات في واشنطن والأطراف العربية ما يشبه «الفرصة الذّهبية» للضّغط من أجل قلب موازين القوى، وفرض حقائق جديدة على الأرض وعلى السّلطة اللبنانية، وشرعيتها في البدء في العمل على التخلص منيّة والتّفاضليّة للطفولة. ومع ذلك، يبقى تاريخ السياسة اللبنانية حافلاً بقدرة الطّبقة الحاكمة على ممارسة «الإنكار والمماطلة»، وهو ما يعرفه الإدارة الأمريكيّة حقّ المعرفة وحذّر منه توم برّاك نفسه في أكثر منٍ، في حين أشار إلى أنّ «الوقت ينفد، ولن يبقى».
ويتداخل هذا كله مع ملفّات حسّاسةٍ أخرى، كترسيم الحدود البرّية والبحريّة وسوق الغاز في شرق المّط، إلى جانب الاستحقاقات الدّستورية لوقف، وعلى رأسها انتخابات 2026. في هذا السياق، يُعطي الكثير برّاك لحزب الله المشروعية أمام جمهوره، فال استهداف من الجنوب لم يعد شعاراً بل هو حقيقي معوش منذ وقف المنافسة مع إطلاق النار قبل سنة من الآن، ومن جديد، هو يُحسب عن نفسه كل فترة بات. النطاقية.. والآن ثمة ما يشي أن يكون الحكم السوري الجديد رأس حربة في الإطباق على الحزب شمالاً وبقاعاً. هذا الشعور بالاستهداف يجعل الحزب في انتخابات النيابية التوقف أمام فرصة حزب أعلى جزء من الأصوات في بيئته المستنفرة، وبالتالي التمسك بالإعدام في موعدها الدستوري المقرر، أي في مايو (مايو) المقبل، وهو الأمر الذي نادى به في الساعات الأخيرة رئيس مجلس النواب نبيه.
في المقابل، يُصبح السؤال هل يقرر هناك هنري وربي الجدي تنفيذ أحكام النيابية في قرارات الدستور، أم أن أجل لشعار حصري للأسلحة بحيث لا يتقدم عليه أي شعار، وبالتالي تصح فرضية الانتخابات يجب أن يوافق حزبها على نزع سلاح الله، ما يضع فرضية تمديد كورقة ضغط التمرين يستخدم التمرين منسوب الضغط على حزب الله.
ومع كل هذه الاشتباكات، ظل المساء معروضاً على احتمالات متناقضة سلسلة من الأسئلة الملحّة: هل تصمد «شراكة دمشق الجديدة» مع واشنطن وجه الضغوط للمرة الأولى، أم تتراجع أمام أو أول اختبار ميدانيّ؟ أي شخص يستطيع هل يستطيع حزب الله تكيّف مع تحديد عمقه الجادّ من دون اللّجوء إلى تصعيدٍ داخليٍٍّّ أو حدوديٍّ؟ فهل تلتقط النخب اللبنانية فرصة مضاعفة السّلاح لتمرير أجنداتها والإصلاحات، أم يتكرّر نمط «تقطيع الوقت» بانتظار متغيّرات ما؟ وبالتالي فإننا نؤثر على هذه التغييرات على الاستحقاق الانتخابي في عام 2026، وهل يُستْتَخْدُمُ عامل التوتّر الأمنيِيّ ذريعةً لتعليقها أم للإصرار على دعمها؟ إذا أردت أن تحسم خياراتها، هل يمضي العالم في التأثير «ويمرّ من دونها» كما حذّر توم براك، أم تُفتح نافذة تقليصٍ جديدةٍ بشروطٍ أقوى قصوةً؟ وهل يؤخذ خطاب برّاك إلى مرحلة جديدة من الملياردير الأمريكي في الملف اللّبناني، بعد المجهدة من المطلوب والتريديث، أم أنه بدأ إن كافيًا عن ملف لبنان فقط كل من سوريا وإسرائيل وهل يُريد توم برّاك بتصريحاته إزاحة الأنظار عن قضية جيفري ابستاين الذي قتل في زنزانته في العام 2019، لكنه لم يتأخر بالتجارة بالبشر لسبب مختلف غير شرعي؛ القضية التي يُشتبه فيها بتورط العديد من كبار المسؤولين.. وأحدهم دونالد ترامب؟
* دكتوراه في الأنتروبولوجيا الاقتصادية؛ كاتب وباحث في شؤون الموظفين والحماية الاجتماعية؛ خبير في الحوار الاجتماعي والتوجيهي.
* نشرت بتاريخ 16 تشرين الثاني 2025 | 180Post
