د. زهير هواري
بيروت 20 كانون الثاني 2026 ـ بيروت الحرية
بينما كانت خيم اللاجئين مرارا وتكرارا تتمزق بفعل العواصف المناخية التي يتعرض لها قطاع غزة، كانت إسرائيل تستحضر جثة الجندي الذي لم يعثر عليه بعد، ومعه قضية سلاح حماس وضرورة تسليمه قبل المرحلة الثانية. في هذا الوقت أعلن البيت الأبيض، عن أسماء أعضاء ما سُمّي “مجلس السلام” الذي سيُشرف على الإدارة المؤقتة لقطاع غزّة، بموجب خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ضمن المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في القطاع الذي دخل حيّز التنفيذ في 10 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي 2024. لكن هذا لا يغني عن طرح الأسئلة التي تتخطى اللحظة لتطرح مستقبل القطاع السياسي والاقتصادي والعسكري والاجتماعي ومعه القضية الفلسطينية برمتها، باعتبار غزة مثلها مثل الضفة الغربية أجزاء أساسية مما يدبر لها. خصوصا مع الهيمنة الأميركية على القطاع من خلال “مجلس السلام”، الذي يضمّ رجال ترامب، من وزراء ومستشارين ومبعوثين. اذ هؤلاء ستكون لهم الكلمة الفصل في الوصاية على شؤون ومصير القطاع.
المقاول والصفقة والشركاء
والواقع أن الرئيس ترامب يتصرف كمقاول رئيسي يدعو آخرين من أمثاله من المتمولين للمساهمة في عضوية “مجلس السلام”، الذي يفترض أن يكون خاصا بإعمار قطاع غزة. وعليه، يعمد إلى دعوة المزيد من قادة الدول إلى المشاركة. ويقال إن عدد المدعوين بلغ حتى الآن حوالي الستين وهو قابل للزيادة. وتتضمن الدعوة دفع مبلغ مليار دولار لقاء الحصول على مقعد دائم في المجلس لمدة 3 سنوات، ومن يزيد تزداد مدة ولايته بما يذكر بشراء المناصب خلال حكم الدولة العثمانية. والملفت أن ترامب يتذكر يوميا هذا الرئيس أو ذاك، فتعمد إدارته للاتصال به وعرض المشاركة عليه وطلب الجزية أو المساهمة المالية. وهكذا تبدو عضوية مجلس السلام مفتوحة ومتاحة لمن يرضى عنه الحاكم بأمره ويقبل الدفع. لكن المقاعد التي سيحظى بها أعضاء يملكون الرضى والملاءة المالية اللازمة، ليست دائمة، كونها عرضة لاحتمال “الفيتو” الذي يملكه ترامب وحده دون سواه. وبذلك يتصرف ترامب كمالك لشركة استثمار تعرض على مستثمرين آخرين أسهما لقاء حجز مقاعد لهم في مجالس إداراتها. أما في حال خرجوا عن أصول التعامل فيتم اخراجهم من هذه الجنة. اذن يتابع ترامب أسلوبه المعهود في التعامل مع القضايا الدولية انطلاقا من فلسفة الاستثمار التي تتحدد بعقد الصفقات، وبالتالي الحصول على حصة من الأرباح. ويطمح أن يصبح المجلس منصة دولية للسلام تقوم مقام الأمم المتحدة ومجلس الأمن والجمعية العمومية ومؤسساتها الأممية المتعددة. الفارق أن في المجلس هناك 5 دول تملك حق النقض “الفيتو” هي: أميركا وروسيا والصين وفرنسا وبريطانيا. أما في “مجلس السلام” هذا، فوحده ترامب شخصيا من يملك حق النقض خلاف باقي المدعوين إلى مائدة ” السلام” هذه. وفي مجلس الأمن تتصارع حقوق النقض بين الدول، ما يؤدي إلى تعطيل القرارات ذات الصبغة المبالغ بها. أما هنا فالقرار حق حصري يحتكره الراعي الأميركي الذي يتحكم بقرارات المجلس وكلّ شاردة وواردة فيه. وكي لا يكون هذا الكلام مجردا من الحيثيات نشير إلى الحملات التي أطلقها ترامب على الأمم المتحدة منذ وصوله إلى سدة الرئاسة، وعندما زار مقرّها في نيويورك في شهر سبتمبر/ أيلول الماضي 2025، حيث تهكم على مصعدٍ معطلّ في المبنى. وفي خطابه أمام الجمعية العامة اعتبر أن المنظمة لم تعد ذات فائدة، وأنها حتى لا تكلّف نفسها عناء التواصل معه، فيما هو يعمل على حلّ وإنهاء عدد من الحروب حول العالم. أما بالنسبة إلى المبالغ أو “الخوّات”، فقد تكون مرادفاً أكثر ابتزازاً لكلمات محببة لدى ترامب، وهي الضرائب والتعرفات الجمركية وغيرها مما يتكرر على لسانه وألسنة مبعوثيه وممثليه. ولا ننسى هنا انسحاب وتعطيل بلاده أبرز المؤسسات الأممية (المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل، الاونيسكو، الاونروا، الصحة العالمية والبيئة واليونيفيل عندنا وما شابه) وتوعد وتهديد القائمين على المحكمتين من قضاة اذا خرجا عن طوع بنانه، وقطع المساهمة التمويلية الاميركية عن سواهما وشيطنة ما تقوم به في مجالات اختصاصها.
عالم المضاربات يصل إلى السياسة
والبطانة الحاكمة في المجلس تكاد تنحصر اميركيا ودوليا فيمن هم على شاكلته، أي أولئك اليمينيين العنصريين الداعمين للترامبية وللسياسة الإسرائيلية والقادمين إلى السياسة من عالم الاعمال والبورصة وملاعب الغولف. وأعضاء مجلس سلام غزة، بحسب ما تبين مما أعلنه البيت الأبيض الآن هم: وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، والمبعوث الخاص لترامب ستيف ويتكوف، وصهره جاريد كوشنر، والملياردير الأميركي مارك روان، ونائب مستشار الأمن القومي الأميركي منذ مايو/ أيار الماضي روبرت غابرييل، ورئيس البنك الدولي أجاي بانغا، وهو رجل أعمال واقتصادي أميركي من أصول هندية. ويشكّل هؤلاء، وفق بيان للبيت الأبيض، “المجلس التنفيذي التأسيسي” في “مجلس السلام”، الذي يضم عضواً واحداً غير أميركي، هو رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير تقديرا لخدماته ومشاركته عندما كان رئيسا لوزراء بريطانيا بغزو العراق عام 2003. وأوضح البيان نفسه أن “رئيس مجلس السلام (ترامب) عيّن آرييه لايتستون وجوش غروينباوم، وهما يهوديان أميركيان، مستشارين كبيرين لـ”مجلس السلام”، مكلفين بالقيادة اليومية للخطط الاستراتيجية والعمليات، وترجمة تفويض المجلس والأولويات الدبلوماسية على الأرض بشكل منضبط، ما يعكس أهمية دور هاتين الشخصيتين ومحوريته في عمل المجلس. أما البلغاري نيكولاي ملادينوف، الذي رفض سابقاً منصب المبعوث الأممي إلى ليبيا، فسيكون “الممثل السامي” لغزّة، حيث سيعمل كحلقة الوصل بين المجلس واللجنة الوطنية لإدارة القطاع، وسيدعم رؤية المجلس لكل أوجه حكم غزة، مع ضمان التنسيق بين القطاعين الأمني والمدني.
لكن المشكلة تتجاوز الأسماء الواردة والمرشحة للانضمام لاحقا، أذ يطمح الراعي الأميركي من خلال الميثاق المرافق إلى توسيع مهمة المجلس لتشمل المناطق الساخنة في العالم كأوكرانيا وما يشابهها من ساحات قتال ملتهبة. وبذلك تصبح غزة مجرد تفصيل على خارطة دولية تعج بالصراعات من كل صنف ولون. وبذلك تتكرس نكبة القطاع مضاعفة من خلال السطو على قضية إعادة اعماره، باعتبارها مجرد عملية سمسرة واستثمار ضخمة جرى التعبير عن الطموح للحصول عليها حربا أو سلما، كما كرر ترامب منذ أن كشف عن طموحه للسيطرة عليها بالشراء أو القنص عبر مشروعاته الجامحة للريفييرا “الغزاوية”. وقد حدث هذا حتى قبل أن تندلع الاعمال القتالية على رمال وساحات القطاع في العام 2023. وقبل توقف العمليات العسكرية عام 2025 وبروز ما يعرف بخطة ترامب للسلام وما تتضمنه من المراحل اللاحقة على وقف القتال. إذ في وقت مبكر جرى تكثيف الحديث عن الخط الهندي لمنافسة طريق الحرير الصيني، على أن تكون محطة الخط الأول المنافس غزة دون سواها، كونها تلعب دور محطة تفريغ وتوريد للمنتجات الآسيوية نحو الأسواق الأوروبية والاميركية، ناهيك بالنفط والغاز العربي.
غزة وما هو أبعد منها
ومنذ أن أعلن عن هؤلاء الأعضاء ونتيجة سياسة صاحب القرار الأميركي اختلط حابل غزة بنابل القضايا الدولية المتفجرة. فمثلا أدى موقف ترامب من غرينلاند وقبلا فنزويلا إلى اثارة حفيظة كل من فرنسا وألمانيا وبريطانيا والنرويج وغيرها. مما دفع بترامب إلى اشهار سلاح الضرائب الجمركية التي ردت عليه بأنها ستعمد إلى إجراءات ضرائبية مضاعفة. وأعلن ماكرون الذي قاد الحملة الأوروبية المضادة أنه لن يشارك في المجلس، ما قاد إلى تهديده بفرض ضريبة على الخمور الفرنسية بنسبة 200 %. كما إن دولا أوروبية أخرى احتجت على دعوة بوتين للمشاركة في العضوية، وهي التي لم تخرج بعد من الورطة التي أدخلت نفسها وأوروبا فيها. وقس على ذلك. والمؤكد أن لهذه الدول ملاحظات على سياسة ترامب إزاء القضية الفلسطينية وقطاع غزة باعتبارها من مؤيدي حل الدولتين على ارض فلسطين.
ومن بين من دعتهم الولايات المتحدة إلى عضوية المجلس، الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ونظيراه، المصري عبد الفتاح السيسي، والأرجنتيني خافيير ميلّي، الذي يحظى بدعم ترامب سياسياً، وينتمي إلى التيار اليميني الشعبوي المحافظ المتفلت من القيود الدولتية، بالإضافة إلى رئيس الحكومة الكندية مارك كارني. الذي تلقى الدعوة في رسالة نشرها، وتقول إن المجلس هدفه العمل على “حلّ الصراعات الدولية” بالإضافة إلى قضية غزة. كذلك تلقى رئيس الباراغواي سانتياغو بينا، رسالة مشابهة من البيت الأبيض، وصفت فيها جهود ترامب لـ”تعزيز” السلام في الشرق الأوسط بأنها “تاريخية وعظيمة”، وتتضمن الدعوة حثه على الانضمام إلى “مقاربة جديدة وشجاعة لحلّ الصراعات الدولية”. كما تلقت كل من البحرين والأردن والبانيا والبرازيل وقبرص والامارات وعُمان و.. دعوات مماثلة.
وذكر موقع بلومبيرغ أن ترامب سيشغل منصب الرئيس الافتتاحي للمجلس، وسيقرّر من سيدعو من الدول، على أن تتخذ القرارات في المجلس بالأكثرية، وأن يكون لكل دولة مشاركة صوت واحد، لكن كل القرارات ستتطلب موافقة رئيس المجلس (ما يعني أنه يملك وحده ما يشبه حق النقض). وأوضحت المسودة التي اطلعت عليها “بلومبيرغ” أن عضوية السنوات الثلاث لا تنطبق على الدول الأعضاء التي تساهم بأكثر من مليار دولار نقداً في العام الأول.
وسيكون لترامب أيضاً سلطة طرد عضو من المجلس، ما لم يواجه ذلك فيتو من ثلثي أعضاء المجلس. كذلك فإنه لرئيس المجلس الحق في كل الأوقات بتعيين خليفة له بالمنصب. وتبين من النص الكامل الذي نشرت مسودته عدة صحف أن لا ذكر لغزة فيها، ومن بينها صحيفة تايمز أوف إسرائيل، التي ربطت بين ذلك، وما نشر من تقارير عن رغبة ترامب في توسيع عمل المجلس، ليشمل أزمات أخرى غير غزة، لكنها ذكّرت بأن المجلس أنشئ بتفويض أممي ومحدّد بغزة. ولكن النص لم يذكر أين ستذهب الأموال التي سيحصل عليها المجلس، علما أنها ستكون بتصرف ترامب، لكنه أكد أن التمويل “طوعي”. وهو ما حدا بموقع “ذا أتلانتك” إلى تشبيه نصّ المسودة بأنه مثل طلب الانضمام إلى نادٍ فاخر للغولف.
ابتزاز إسرائيل وغياب فلسطين
رغم المكاسب التي يحققها المجلس لإسرائيل بدليل أن غياب قضية فلسطين سواء أتم النظر إليها من موقع القطاع بتعقيداته وتشابكاته المتوسطية والمصرية والعربية، أو الضفة الغربية التي تتعرض لحملات اقتحام مسمومة على نحو يومي، فقد أصدر مكتب رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، بياناً اعتبرته وسائل الإعلام الإسرائيلية “حاد اللهجة” ضد الرئيس الأميركي دونالد ترامب، عقب إعلان الأخير عن تشكيلة اللجنة الإدارية لغزة التي تضم مسؤولين من قطر وتركيا. وجاء في البيان أن تركيبة لجنة غزة الإدارية، الخاضعة لمجلس السلام، “لم تُنسق مع إسرائيل وتتعارض مع سياستها”. وأضاف مكتب نتنياهو أن الأخير “أوعز لوزير الخارجية جدعون ساعر إبلاغ نظيره الأميركي ماركو روبيو بموقف إسرائيل”. وقد أعلنت إسرائيل رفضها مشاركة كل من الدولتين المذكورتين في القوة المناطة بها مسؤولية أمن القطاع، واشترطت مرابطتهما على الجانب المصري من منطقة رفح. ورفع “البطاقة الحمراء” على القوتين من شأنه أن يضع المرحلة بأسرها في خانة الابتزاز، خصوصا اذا ما عطفنا ذلك على تصريحات بن غفير وسموتريتش التي تنادي بالإجهاز على القطاع وحماس وإعادة احتلاله وحصر الإعمار بالمناطق التي ضمتها إليها إسرائيل مؤخرا. ما يعني أن إدارة إعادة الإعمار ستكون من نصيب المناطق الخاضعة للاحتلال، والتي تسمى بغلاف غزة، وهي التي لم تتضرر من التدمير الجهنمي على مدى الأعوام الثلاثة المنصرمة.
وتأكيدا على المخاطر التي يحملها المجلس على القطاع وأهله أن أسماء “المجلس التنفيذي التأسيسي” لا تتضمن فلسطينيين، وكذلك “المجلس التنفيذي لغزة”، الذي تقوم مهمته على دعم عمل مكتب ملادينوف واللجنة الوطنية لإدارة غزة، وهو يضم وفق بيان البيت الأبيض، بالإضافة إلى ويتكوف وكوشنر وبلير وروان وملادينوف، وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، ورئيس جهاز الاستخبارات العامة المصرية حسن رشاد، والدبلوماسية الهولندية سيغريد كاغ، كبيرة منسقي الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية وإعادة الإعمار في غزة، بالإضافة إلى وزيرة التعاون الدولي في الإمارات ريم الهاشمي، والدبلوماسي القطري علي الذوادي، وياكير جاباي، رجل الأعمال الإسرائيلي القبرصي المتخصص في العقارات. هذا الغياب يحمل أفدح المخاطر لاسيما وإن حماس ترفض إلى الآن تسليم سلاحها ما يعطي إسرائيل فرصة متابعة هجماتها . كما تمنع مشاركة السلطة الفلسطينية في إدارة شؤون القطاع. وتصر على اعتبار سلاحها ضمانة أمنية لاستقرار القطاع تحت إدارة ترمب وشركاه!
تبعا لذلك فإن ما هو مقرر ومقدر لقطاع غزة من خلال هذه التوليفة، لا يعدو أن يكون ترجمة منمقة للتدمير الذي تعرض له على مدى السنوات السابقة واللاحقة لطوفان الأقصى، والمستمر على الصعيد الميداني والسياسي على حد سواء.
