سياسة صحف وآراء

سقوط النظام الإيراني أو بقاؤه… العراق يدفع الثمن

* أحمد سعداوي

إن كان الأمر وفق أماني نتنياهو، بحربٍ تُسقط النظام الإيراني، أو وفق المنهج المتّبع لدى ترامب، باستعمال القوّة لفرض صفقة سياسيّة، أو كما يرغب ويتمنّى حلفاء إيران، بنجاتها من هذا الخانق العسير، فإنّ كلّ السيناريوهات المطروحة ليست في صالح العراق. غير أنّ “طعم” المرارة يختلف في كلّ احتمال من الاحتمالات الثلاثة.
إذا سقط النظام الإيراني ودخل في فراغٍ سياسي، وربّما في فوضى في الأقاليم المختلفة، فإنّ الحدود العراقية – الإيرانية الطويلة ستكون بوّابة لنزوح جماعاتٍ من المتضرّرين، ومن أولئك الخائفين. ستهرب رؤوس أموال التجّار إلى المدن المقدّسة الشيعية في العراق، وسيملأ الهاربون من الاحتراب الأهلي أو من الفقر شوارع العراق، من كردستان إلى البصرة. كما أنّ اختلال الضغط وضياع الثقل في إحدى كفّتي الميزان السياسي العراقي سيجعل الطبقة السياسية العراقية مكشوفة، خصوصاً أنّها لم تشغل نفسها بخططٍ لمواجهة وضعٍ من هذا النوع.
والأسوأ أن تُبادر الجماعات المسلّحة العراقية، من كلّ الطوائف والعرقيّات، إلى نصرة “إخوانهم” المتقاتلين في إيران، كما حصل سابقاً في السيناريو السوري. أمّا في السيناريو الثاني؛ فإذا أبرمت إيران وأميركا صفقة من دون ضماناتٍ بإنهاء تدخّلها في الشأن العراقي، أو بوقف دعم أذرعها المسلّحة، فإنّنا سنستمرّ في الوضع الشائك الحالي من دون أفق. أمّا في السيناريو الثالث؛ أي العودة إلى مواضعات ما قبل الأزمة الحالية، فهو مستبعَد، ولكنّه ليس مستحيلاً، وهو أيضاً يعني بقاء الأزمة العراقية على حالها، وهي أزمة تتعلّق باستلاب الإرادة السياسية العراقية من قبل الفاعل الإيراني.
فوق هذه الاحتمالات الثلاثة، وبما يتعلّق بالشأن العراقي تحديداً، يقف شيءٌ أكبر وأوسع اسمه: تأثيرات إيران على العراق، في أي حالٍ كانت عليه إيران، ومع أي نظامٍ سياسي كان. وللتذكير، علينا أن نسترجع حقبة الشاه محمّد رضا بهلوي، وكيف كان مؤثّراً في الوضع العراقي آنذاك، وكيف استطاع أن ينتزع من حكومة البكر ونائبه صدّام حسين، في منتصف سبعينيّات القرن الماضي، صفقة مؤلمة بتقاسم مياه شطّ العرب المطلّ على الخليج.
تجثم إيران جواراً تاريخياً على الحدود الشرقية للعراق، بما يعادل ضعف سكّان العراق وثلاثة أضعاف مساحته، وباقتصادٍ أكثر تنوّعاً من الاقتصاد العراقي “الريعي”، رغم ضغط العقوبات الاقتصادية عليها، وتراكم تقاليد دولة ممتدّة إلى خمسمائة سنة غابرة. وهي أكثر تجانساً من الناحية الدينية الطائفية من العراق، والحسّ الوطني (والقومي) أكثر وضوحاً في سياساتها، مقارنة بالعراق. فما الذي يفعله العراق معها، يا ترى؟
ربما تأتي الانفراجة في الوضع العراقي من حلٍّ ما تصنعه إيران مع المجتمع الدولي، أو بفرض هذا المجتمع وقواه الكبرى، وفي مقدّمتها الولايات المتحدة، حلّاً بالإجبار، لكن هل يكتفي العراقيون الوطنيون بالصلاة لمجيء هذا الحلّ؟ وهل تنتهي مشكلات العراق فقط إذا رفعت إيران يدها عنه؟
في الحقيقة، إنّ سقوط النظام الإيراني أو زوال تأثيره السلبي على العراق فجأة يشبه، في أثره في النُّخب السياسية العراقية، لحظة إبريل/ نيسان 2003 حين سقط نظام صدّام حسين بعاملٍ خارجي، ولم يكن المجتمع العراقي مدرَّباً آنذاك على التعامل مع فضاءٍ غير استبدادي. وفشلت النُّخب السياسية الجديدة، التي لم تُنجز التغيير العراقي بجهودها الخاصّة، ولم تكن ذات صلاتٍ قويّة مع المجتمع، في أن تتبنّى النموذج الديمقراطي بفاعلية وإيمانٍ حقيقي، كما فشلت في بناء دولة بديلة من دولة صدّام.
ما جرى في إبريل 2003 هو أنّ العوامل الخارجية وضعت جسداً مترهّلاً كسولاً في حلبة مصارعة. وغداً، إن تغيّر النظام الإيراني (أو تغيّرت سياساته)، فسيكون هناك جسدٌ كسولٌ آخر في العراق، لا يستطيع الاستفادة من هذه الحرّية الجديدة على نحوٍ أمثل.
سينظر المطبّلون والمزمّرون إلى إيران داخل العراق اليوم يميناً وشمالاً، بعد زوال التأثير الإيراني، بحثاً عمّن يمسك بـ”كاك” النفط، ليطبّلوا ويزمّروا له أيضاً، من دون حياءٍ أو خجل. هذا إن لم تعصف الأحداث الإيرانية بالساحة العراقية بالمطبّلين والمزمّرين، ومعهم ملايين المساكين الذين لا حول لهم ولا قوّة.

* نشرت بتاريخ 3 شباط على موقع العربي الجديد