سياسة مجتمع

حرب السودان العبثية تتجاوز الداخـل إلى الإقليـم احتمال التقسيم تضيف تمزقا على التشرذم الأصلي

 زهير هواري

بيروت 15 تشرين الثاني 2025 ـ بيروت الحرية

يبدو أن الحرب التي يشهدها السودان قد دخلت في منعطف بالغ الخطورة، حتى بات من الصعب ضبطها أو التوصل إلى قرارات تخمد أو تحد من اتساع نيرانها. ولعل هذا بالضبط ما أشارت إليه الأمم المتحدة عندما تحدثت عن «خروج الحرب في السودان عن السيطرة». جاء هذا بعيد اجتياح «قوات الدعم السريع» لمدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، ومعها تصاعد التوتر والعنف في مدن ولاية شمال كردفان. لكن يظل الأبرز هو عدد الضحايا والجرحى والقتلى والمشردين الذين غادروا المنطقة على وقع انتشار المجازر الجماعية التي أودت بحياة الألوف من المدنيين، فضلا عن رفع منسوب فرار اللاجئين الذين قطعوا عشرات الكيلومترات مشيا على أقدامهم مجردين من الطعام والشراب، ما قاد إلى وفيات طالت كبار السن والأطفال على حد سواء.

ولم تقف الأمور عند ما شهدته الفاشر من تقتيل مارسته قوات الدعم السريع بعد الاستيلاء عليها، وهو عنف قبلي وطائفي وسياسي في الوقت نفسه، إذ في أعقابه عمد طرفا النزاع السوداني، الجيش و«قوات الدعم السريع» على حشد قواتهما في ولاية شمال كردفان، في تجاهل تام لمقترح الهدنة الذي قدمته الولايات المتحدة، والآلية الرباعية، التي تضم إلى جانبها كلا من السعودية ومصر والإمارات.

التصعيد والحديث عن هدنة

وجاء التصعيد الميداني من قبل قوات الدعم السريع بعد يوم من دعوة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إلى تحرك دولي لقطع إمدادات الأسلحة عن قوات الدعم السريع التي حملها مسؤولية التصعيد الدامي للنزاع في السودان. ونقلت وكالة فرانس برس عن روبيو قوله لصحافيين أثناء مغادرته اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في كندا “ما يحدث هناك أمر مرعب”. وألقى باللوم على قوات الدعم السريع التي تخوض حربا مع الجيش منذ إبريل/ نيسان 2023 وسيطرت أخيرا على مدينة الفاشر الرئيسية، رغم أنها أعلنت موافقتها على مقترح هدنة أميركي. وأضاف “أعتقد أن المشكلة الأساسية التي نواجهها هي أن قوات الدعم السريع توافق على أشياء ثم لا تمضي فيها”. وتابع “يجب القيام بشيء ما لقطع إمدادات الأسلحة والدعم الذي تتلقاه قوات الدعم السريع مع تواصل تحقيقها تقدما”.

والمؤكد أن قوات الدعم السريع التي دانت مثل هذا التصريح والموقف الذي عبر عنه، تمني النفس بالمزيد من السيطرة على أقاليم إضافية وانتزاعها من الجيش تمهيدا للعودة إلى العاصمة الخرطوم. والدليل على ذلك ما شهدته مدينة الأُبيَّض، عاصمة ولاية شمال دارفور، التي يسيطر عليها الجيش السوداني، من هجوم دام الأسبوع الماضي. وحاولت من خلاله «قوات الدعم السريع»، السيطرة على هذه المدينة الاستراتيجية، بينما تحاول وحدات الجيش بدورها دحر أعدائها واستعادة ما خسرته من مناطق، فضلا عن الوعد بتحقيق الانتصار الكامل على قوات الدعم السريع وتحرير السودان من قبضتها، وتخليصه مما عاناه من حرب أهلية مدمرة طوال الأعوام المنصرمة. وتبعا لموقفي الفريقين باتت الأمم المتحدة تدرك تيعا لما ذكره أمينها العام، أنطونيو غوتيريش أن «الأزمة المروعة» في السودان «تخرج عن نطاق السيطرة»، مضيفاً أن «الوضع يتدهور يوماً بعد يوم». كما حذر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية من أن “الوضع الأمني في منطقة كردفان مستمر في التدهور”.

والواقع أن ما شهدته الفاشر كان بمثابة العلامة الفارقة بينما الوقائع دلت على المزيد من المواجهات الدامية من خلال القصف المدفعي العنيف الذي استهدف مدينة مروى بالولاية الشمالية بواسطة المسيرات التي حاولت تدمير مقر قيادة الفرقة التابعة للجيش ومطار وسد مروي. والملفت أن ذلك يحدث بعد أن تكرر اعلان الطرفين كما العادة عن موافقتهما على هدنة بينهما، فيما كانا يعملان على تعبئة وحشد المزيد من قواتهما، ولا سيما حول مدينة بابنوسة التي فر سكانها منها وظلت فيها فرقة تابعة للجيش تتولى الدفاع عنها. والواقع أن كليهما يركز جهوده الآن على كردفان، وهي منطقة تتألف من ثلاث ولايات تشكل منطقة عازلة بين معاقل “الدعم السريع” في دارفور بغرب السودان والولايات التي يسيطر عليها الجيش في الشرق.

الطابع الإقليمي للحرب

وفي غضون الأيام الأخيرة أخذت تتسرب مواقف تعطي للحرب طابعها الإقليمي وليس الداخلي فقط. خصوصا وأن المناطق التي تشهد هذه المعارك هي غنية بمناجم الذهب وغيره من المعادن الثمينة، والعديد من الدول وفي مقدمها الولايات المتحدة الأميركية حريصة على الإستئثار بها إن لم يكن اليوم فغدا.  ما يعني أن عملية تمويل الحرب تتم من خلال السيطرة واستغلال وبيع ما يستخرج من هذه الثروات. لذا لم يكن مستغربا ما ذكره مساعد القائد العام للجيش ياسر العطا في خطاب له بمقر اللواء الأول في الخرطوم، عندما شكر الولايات المتحدة والسعودية ومصر على مجهوداتهم”. وقال إن أقصر طريق للسلام هو “إيقاف دعم سلطة أبو ظبي للمليشيا المملوكة لأسرة دقلو”، في إشارة إلى قوات الدعم السريع. ما يعني أن الامارات التي هي من عداد اللجنة الرباعية التي يفترض بها ممارسة ضغوطها على الطرفين من أجل التوصل إلى وقف اطلاق النار وتحقيق تسوية تمكن من وقف شلال الدم السائل دون حساب، تقف إلى جانب قوات الدعم السريع. وما قاله العطا عن الامارات يمكن قوله عن اطراف دولية وإقليمية أخرى ضالعة في تأمين مقومات اشعال نيران الحرب التي جعلت السودان وما يدور فيه واحدة من أقسى الحروب التي عرفتها القارة والعالم أيضا. فمثلا ليس هناك من تقديرات قريبة من الدقة لعدد القتلى من المدنيين والعسكريين، باعتبار أن الطرفين يتكتمان على خسائرهما. لكن الأرقام المتداولة عن عدد النازحين والمهجرين تتحدث عن حوالي 30 مليون نسمة يعانون من نقص أو تعذر وصول امدادات الجهات الدولية المانحة لهم من طعام وشراب وطبابة وما شابه من ضرورات العيش.

العدوى السودانية في المحيط

والواضح أن المنعطف الذي نتحدث عنه في حال عدم التمكن من ضبطه سيقود إلى تقسم إضافي للسودان خصوصا ونحن نتحدث عن منطقة تعادل مساحتها حوالي ربع المساحة الإجمالية للبلاد. وإذا اضفنا هذه إلى قيام دولة جنوب السودان التي سلخت سابقا عن الكيان الأم، يتبين أن عملية التمزيق تسير على قدم وساق. ولا شك أن مثل هذا المصير يتغذى من رعاية وتغطية اطراف إقليمية ودولية خارج السودان، حيث تعمد كل مرجعية إلى تزويد كل طرف يتبع لها بالموارد التي تؤمن له مقومات استمرار القتال أطول فترة ممكنة، وبما يجعل شبكة مصالحها حاضرة على طاولة المفاوضات متى حان وقتها. ومن شأن وضع على هذا النحو أن يدمر وحدة البلاد وسيادتها ومؤسساتها ويقضي على البقية الباقية من عمرانها. ومثل هذا الوضع سيفتح شهية أطراف الصراعات الداخلية، سواء أكانت قبلية أو جهوية على الاقتداء بهذا المنحى، وإحداث المزيد من التمزيق بكيانات القارة مع ما يرافق ذلك من إفناء لمقومات الدول. ولعل نموذج ليبيا الملاصق هو خير دليل على ذلك، إذ لم تستطع “النجدات” الأممية وتعدد الوسطاء، والضغوط التي تتم ممارستها من شق مسار تسوية سياسية تستعيد وحدة الدولة والبلاد. وتبعا لذلك تتواصل عمليات الاقتتال والصراعات الداخلية – الخارجية استنادا لتناقض وتضارب المصالح بين هذه المكونات. وبالطبع يدفع الشعب الليبي ومصالحه الثمن الفادح من حاضره ومستقبله. وعلى شاكلة ليبيا هناك العديد من الدول الافريقية التي تعاني التأزم. خصوصا وأن أقليم دارفور ليس بمثابة جزيرة معزولة عن مداه الاجتماعي الملغوم القريب والبعيد، فهو يفتح على عدة دول افريقية تعاني من صراعات قبلية وعشائرية وإثنية وجغرافية تمثل جمرا تحت الرماد أو فوقه كما هو معروف.