الدكتور زهير هواري
بيروت 24 تموز 2026 ـ بيروت الحرية
شهدت الأيام والأسابيع المنصرمة موجة متجددة من ارتفاع الأسعار، برر بعضها مجلس النواب والحكومة بتأمين توفير الاعتماد الذي تقرر فتحه في موازنة العام 2026 لتأمين تغطية تعويضات العاملين في الخدمة أو متقاعدين في القطاع العام من مدنيين وعسكريين. والملفت وعلى ضوء التجربة التي عرفها المواطنون في السنوات السابقة، أن ذلك قد يكون نذير شؤم “يبشر” بالمزيد من الضغوط التي تعانيها الدخول والرواتب، وتفتح المجال أمام المزيد من ارتفاع الأسعار وتردي الأوضاع المعيشية وسط الانفلات الذي تشهده الاسواق. والجميع يذكر ما حدث عندما أقرت الدولة قبل انفجار الوضع، تحسين الرواتب للأساتذة الثانويين، فكانت النتيجة تسارعا دراماتيكيا في انهيار قيمة العملة الوطنية، بعد أن طالبت المزيد من القطاعات بمساواتها بهم، لذلك جرى تحميلهم وزر ما أصاب ويصيب عموم المواطنين إلى أي فئة أو شريحة انتموا، والاقتصاد الوطني برمته.
ومن دون الدخول في تأويلات، يمكن القول إن ما شهده المواطنون قبل بعض الوقت يصب في خانة الانهيارات المعيشية التي تصيب أكثر ما تصيب الفئات ذات الدخل المحدود من عمال وموظفين ومياومين وصغار باعة وأمثالهم. يحدث هذا في ظل أمرين متلازمين: أولهما استمرار العدوان الاسرائيلي على المناطق الجنوبية والبقاعية، رغم تراجع حدتها عما كانت عليه، مع ما يرافق ذلك من تهجير، وما تعرضت له المناطق المستهدفة من تدمير طال ويطال القطاعات الاقتصادية والبيوت والمؤسسات العامة والخاصة والبنية التحتية من طرقات وجسور وشبكات صرف ومياه وكهرباء وهاتف و. ..
أما الثاني وهو لا يقل تأثيرا عن الأول ويتمثل في حال البطالة التي تختلف التقديرات بشأن اتساعها بين من يرفعها إلى أكثر من نسبة 45 % أو يخفضها إلى أقل من 30 %. لكنها لدى الفئات الشابة التي تدخل إلى سوق العمل للمرة الأولى من خريجي الجامعات الاكاديميين والمهنيين تقفز إلى حوالي 50%. ويصبح الحل الوحيد المتاح ليس سوى الهجرة من البلاد إلى أي مكان يتوافر فيه العمل.
ارتفاع أسعار المحروقات والخبز و…
بات ارتفاع اسعار المحروقات عبارة عن برنامج روتيني ولمرتين أسبوعيا على الأقل. وهو ارتفاع وإن كان يرتبط بمجريات الصراع في مضيق هرمز، إلا أن ما يسجله المؤشر محليا يفوق ما يجري تسجيله في الدول غير المنتجة للنفط كلبنان. ومن خلال مراقبة أسعار مشتقات النفط يتبين أن النسبة الأعلى هي دوما من نصيب المازوت، والتي تعادل في الجدول الأخير ما معدله مرتين ونصف المرة ارتفاع اسعار البنزين من فئتي 95 و98 أوكتان. وأهمية المازوت تكمن أنه المحرك الرئيسي لآليات المصانع والآلات الزراعية ووسائل النقل الثقيلة على أنواعها، ما يعني أنه يدخل في تسعير معظم السلع، ناهيك بمولدات الكهرباء، التي بادر أصحابها إلى رفع قيمة الاشتراكات بما يزيد من أعباء الأسر ضمن موسم صيفي يتميز بارتفاع الحرارة، والحاجة الماسة إلى تشغيل مكيفات التبريد والمراوح. ومن المعلوم أن أي ارتفاع في أسعار المحروقات يرفع أسعار مختلف السلع بنسبة تتراوح بين 5 و15% من سعر السلعة تبعا لجشع التجار كبارا وصغارا. باعتبار أن هذه النسبة لا تدخل في الأنتاج فقط، بل تشمل التبريد والمواصلات والنقل من المحافظات نحو العاصمة وما شابه.
ونتيجة ارتفاع أسعار المازوت عدّلت وزارة الاقتصاد سعر ربطة الخبز الأبيض، استناداً إلى آلية التسعير المعتمدة لديها، والتي تأخذ في الاعتبار كلفة الإنتاج الفعلية، وبعد ارتفاع أسعار المحروقات وانعكاسها المباشر على نفقات تشغيل الأفران. ومعه أصبح سعر الربطة من الحجم الوسط ( وزنها 800 غرام) في صالات الأفران 75000 ليرة، أي بزيادة قدرها 5000 ليرة.
وأوضحت الوزارة في بيان، أن القرار يندرج في إطار الحفاظ على استمرارية إنتاج الخبز بما يعكس كلفة الإنتاج وتأمين هذه المادة الحيوية في الأسواق، مشيرةً إلى أنها ستعيد النظر في الأسعار وخفضها فور انخفاض الكلفة، كما فعلت سابقاً وفق الآلية نفسها.
على أن ارتفاع الأسعار لا يقتصر على المحروقات والخبز، فقد سجّل الرقم القياسي لأسعار الاستهلاك في لبنان ارتفاعاً سنوياً بنسبة 17.25 في المئة خلال حزيران 2026 مقارنةً بالشهر نفسه من عام 2025، وفقاً لبيانات إدارة الإحصاء المركزي. وأظهرت البيانات أن الارتفاع السنوي جاء مدفوعاً بزيادة أسعار عدد من المجموعات الرئيسية، أبرزها الاستجمام والتسلية والثقافة بنسبة 42.64 في المئة، والتعليم بنسبة 35.72 في المئة، والنقل بنسبة 29.36 في المئة، والمواد الغذائية والمشروبات غير الروحية بنسبة 18.01 في المئة، والسكن والمياه والكهرباء والغاز والمحروقات الأخرى بنسبة 17.08 في المئة، والإيجار 16.21 في المئة.
في المقابل، تراجعت أسعار الاتصالات بنسبة 0.59 في المئة. وعلى صعيد المحافظات، انخفض المؤشر على أساس شهري في بيروت بنسبة 0.73 في المئة، وجبل لبنان 0.76 في المئة، والشمال 0.15 في المئة، والبقاع 1.43 في المئة، والجنوب 0.70 في المئة، فيما سجّلت محافظة النبطية أكبر تراجع بنسبة 1.59 في المئة. أي أن الاسعار ترتفع في خانة العشرات ولكنها تنخفض بكسور العشرات لا أكثر.
مليارات التعويضات وأعباء المواطنين
جاءت ارتفاعات الأسعار فيما أقرّ مجلس النواب الاسبوع الماضي، قانونا قضى بفتح اعتماد إضافي في الموازنة العامة لعام 2026 بقيمة “56500000000000 ليرة لبنانية” (56.5 ألف مليار ليرة)، لتغطية كلفة التعويضات للعاملين في القطاع العام والمتقاعدين. ومعه سيحصل العاملون في القطاع العام والعسكريون والمتقاعدون في لبنان على تعويضات مؤقتة تعادل نسبة معينة من أصل الراتب ومن “ستة رواتب إضافية”، على أن تُطبَّق بمفعول رجعي اعتباراً من “الأول من آذار الماضي”. ويعتبر هذا المشروع من أبرز المشاريع من حيث القيمة المالية والأثر المباشر على القدرة الشرائية لعشرات آلاف الموظفين والمتقاعدين. ويغطي المشروع كلا من:
– “العاملون في القطاع العام”، من موظفين ومتعاقدين وأجراء في مختلف الإدارات والمؤسسات العامة والبلديات، الذين يحصلون على تعويض مؤقت وانتقالي بسقف أعلى حدّده مجلس الوزراء بـ”50 مليون ليرة شهرياً” للفرد الواحد.
– “المتقاعدون” المستفيدون من معاش تقاعدي في القطاع العام.
– “العسكريون المتقاعدون”، الذين تُستكمَل لهم تغطية التقديمات المدرسية عن العامين الدراسيين 2024-2025 و2025-2026، لتصبح “بنسبة 100% من التعرفة المحددة من قبل تعاونية موظفي الدولة” عن هذين العامين، إضافة إلى تعديل قيمة التعويضات العائلية الشهرية.
ويستثني القانون من هذه الزيادات الهيئات والمجالس والمؤسسات العامة، التي سبق وأن دُفعت للعاملين فيها تعويضات وأجور رؤسائها وأعضاء مجالس إدارتها ومديريها العامين ومستخدَميها بشكل منفصل. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو كيف ستتم تغطية هذه الزيادات؟
للإجابة على السؤال السابق، يمكن القول إن القانون يعتمد في تغطية هذه المبالغ على زيادة تقدير الواردات العادية للعام 2026″، مقروناً بحزمة إجراءات موازية أبرزها:
1- تفعيل الالتزام الضريبي ومكافحة التهرب الجمركي والضريبي.
2 – تعديل بعض الرسوم والضرائب، بما في ذلك الإجراءات المتعلقة بالضريبة على القيمة المضافة، والتي لم يتم التوافق عليها في جلسة الإقرار.
3 – فرض رسم استهلاك إضافي على البنزين، وهو ما تم إقراره في وقت سابق قبل اندلاع الحرب الأخيرة في آذار الفائت.
4 – تعديل رسوم المستوعبات وتدابير أخرى ذات صلة، مع التشديد على الرقابة ومنع الممارسات غير الشرعية.
ويُجيز القانون النقل من الاعتماد الاحتياطي بناءً على طلب الوزير المختص وبقرار من وزير المالية، بعد تأشير المراقب المركزي لعقد النفقات.
فذلكة القانون
ينطلق القانون مما شهدته الرواتب والأجور من تآكل حاد في غضون السنوات الماضية بفعل الأزمة النقدية نتيجة الاختلالات النقدية والمالية التي عرفها لبنان، ما انعكس سلباً على القدرة الشرائية للموظفين وعلى استمرارية عمل المرافق العامة وحسن انتظامها.
واعتبرت الحكومة أن هذا التعويض المؤقت يشكّل “مرحلة” ضمن مسار أوسع، ريثما يُنجز “مشروع التصحيح الشامل للرواتب والأجور” وفق الأصول القانونية والمالية المعتمدة.
ويوزع جدول تفصيلي مبلغ الـ56.5 ألف مليار ليرة على جميع الوزارات والإدارات والمؤسسات العامة، من رئاسة الجمهورية ومجلس النواب ورئاسة مجلس الوزراء، مروراً بجميع الوزارات، وصولاً إلى الجيش وقوى الأمن الداخلي، بحسب بندي التعويضات العائلية والمنافع الاجتماعية. وكان رئيس الجمهورية جوزاف عون قد وقّع في 12 أيار 2026 المرسوم رقم 3057، القاضي بإحالة مشروع القانون إلى مجلس النواب، استناداً إلى قانون المحاسبة العمومية (المادتان 12 و27)، وإلى قانون الموازنة العامة للعام 2026 (القانون رقم 40 تاريخ 10 شباط 2026)، إضافة إلى قرار مجلس الوزراء رقم 2 الصادر في 16 شباط 2026 الذي أقرّ الإجراءات التمهيدية لهذه التعويضات. وبدوره وافق مجلس الوزراء على المشروع في جلسته المنعقدة بتاريخ 30 نيسان 2026، قبل أن يوقّعه كل من رئيس الجمهورية عون، ورئيس مجلس الوزراء نواف سلام، ووزير المالية ياسين جابر، تمهيداً لإحالته إلى المجلس النيابي.
ومن المقرر أن يصبح القانون نافذاً فور نشره في الجريدة الرسمية، الذي ينص أيضاً على أن يخضع الإنفاق من هذا الاعتماد للقواعد والأصول القانونية المعمول بها في قانون المحاسبة العمومية، على أن تُدوَّن جميع الاعتمادات المعقودة والمصفاة والمصروفة والمدفوعة منه في قطع حساب الموازنة العامة وحسابات المهمة للعام 2026.
ختاما يمكن القول إن تعويضات بهذه الكمية من الاموال وضمن الوضع المالي المعروف دون مواكبته بزيادة الانتاجية في مرافق الدولة وعموم الاقتصاد، يمكن له أن يقود إلى كارثة ، خصوصا وأن وزارة المالية سبق وأعلنت منذ الاعوام 2023 وما تلاها أن مداخيل المالية العامة قد انخفضت بفعل ما تتعرض له البلاد من حروب، وما يرافق ذلك من نفقات واعفاءات. وهو ما يدفع إلى التحذير من موجة تضخم تضرب العملة الوطنية، لا سيما وأن تفعيل الالتزام الضريبي مشكوك فيه، مثله مثل تقدير النفقات التي لا تقوم على أرقام علمية تعتمد على دراسات موثوقة. ثم إن المبالغ التي سيتلقاها قسم من المواطنين عاملين ومتقاعدين على حد سواء سيدفعها جميع المواطنين دون استثناء من دخولهم المتراجعة أصلا. ثم ماذا عن أولئك العاطلين عن العمل والمهجرين الذين فقدوا إمكانية العودة إلى قراهم وبلداتهم وهم مضطرين لإستئجار بيوت بدلات خيالية مقارنة مع ما كانت عليه قبل المحن المتلاحقة”؟.
