* ابراهيم حيدر
تشدّد واشنطن على استكمال المرحلة الثانية من نزع السلاح، في ظل أجواء تشير إلى قرار إسرائيل بالتصعيد ضد “حزب الله”، مشككة بما أنجزه الجيش اللبناني في جنوب الليطاني، ومعتبرة أن خطواته غير كافية لمنع الحزب من إعادة بناء قوته.
بيد أن الحرب التي تهدد بها إسرائيل باتت مرتبطة بتطورات إيران، رغم مواصلتها اعتداءاتها بإبقاء لبنان مسرحاً لعملياتها. ففي الوقت الذي كانت التوقعات تشير إلى احتمال توجيه ضربات إسرائيلية لطهران مع عمليات مماثلة ضد “حزب الله”، تأجلت بقرار أميركي في انتظار ما ستؤول إليه التحركات الشعبية الإيرانية، إذ تطوّق الولايات المتحدة طهران بإحكام بعد عملية فنزويلا، وتضغط على النظام لتقديم تنازلات والوصول الى اتفاق وفق شروطها، وإذا لم يتحقق ذلك فإن الأمور ذاهبة نحو الصدام. وعلى هذا لا ينفصل التصعيد الإسرائيلي ضد “حزب الله” عمّا يجري في إيران، فيما الدولة اللبنانية تترقب ما سيكون عليه موقف الحزب أمام التغيرات المحتملة على الجبهة الإيرانية، فإما أن يقتنع بالسير في خطة حصر السلاح، أو يربط مصيره بالوضع الإيراني، وهو الاتجاه المرجح مع ما يحمله هذا الرهان من أخطار تضع البلد كله أمام تصعيد إسرائيلي واسع.
ويندرج إعلان لبنان انجاز المرحلة الأولى من خطة حصر السلاح ضمن خانة الترقب، إذ يقول لواشنطن أنه التزم شروطها، ويراهن على كسب الوقت ارتباطاً بالمهلة الأميركية التي تنتهي في شباط المقبل، في انتظار تبلور الاتجاهات والتوازنات على وقع الحدث الإيراني. وقد كان لافتاً إعلان قيادة الجيش أنها ستحدد خطتها لشمال الليطاني في شباط المقبل، لاتضاح الوجهة الأميركية ومدى تفهمها للوضع اللبناني.
وسط هذه التطورات يبقى لبنان على فالق الزلزال الإيراني، معرضاً لخطر حرب إسرائيلية، مترافقة مع ضغوط أميركية لإنهاء نفوذ “حزب الله” والسير في التفاوض المباشر مع إسرائيل. ومع تدفق الموفدين الدوليين إلى بيروت خصوصاً الأوروبيين، يبرز الموقف الفرنسي الداعم للبنان مع زيارة جان إيف لودريان، بعد الكشف عن رفض إسرائيلي وأميركي لمشاركته في اجتماعات الميكانيزم، إلا أن الواقع يشير إلى أن أي تطور في الملف اللبناني من الناحيتين الأمنية والمالية تبقى مظلته أميركية، ولذا يسابق لبنان التصعيد بمواصلة الرهان على دور أميركي يجنبه الحرب انطلاقاً مما حققه الجيش جنوب النهر، والخطوات المرتقبة لشمال الليطاني. وبالتوازي مع اتصالات سياسية ومباحثات مدعومة من جهات دولية للوصول الى تسوية تنهي ممانعة “حزب الله” بالتخلي عن سلاحه.
ومع التهديدات الإسرائيلية بالحرب، تتركز الأنظار أيضاً على اجتماع الميكانيزم المقبل ومستوى التمثيل فيه، بعدما تقلص دور المبعوثة مورغان أورتاغوس، حيث يتوقع أن يتولى السفير الأميركي ميشال عيسى متابعة الميكانيزم. واللافت وفق مصادر ديبلوماسية أن إسرائيل بدأت ترفع شروطها في الميكانيزم، أولاً بفصل النقاش الأمني عن آليات عمل اللجنة، ثم بالضغوط لتفاوض سياسي أوسع يحدد للوصول الى اتفاقات. وتسعى إلى إحراج الجيش اللبناني بدفعه إلى تنفيذ مهمات دقيقة بين جنوب الليطاني وشماله، وهي منطقة يزعم الاحتلال أنها تشكل خط الدفاع الثاني للحزب وفيها انفاقاً ومخابئ متصلة بجنوب النهر، فيما تحاول واشنطن رفع مستوى الممثلين ليأخذ التفاوض المباشر صفة أكثر رسمية، مع رفض إسرائيل أي مشاركة فرنسية رسمية، وهو ما انعكس توتراً في اجتماع الميكانيزم العسكري الأخير بين الممثلين العسكريين الفرنسي والإسرائيلي.
كل الوقائع تنذر بأن الوضع على شفير الانفجار من إيران إلى لبنان، في حال لم تفتح كوة للتفاوض، فيما التصعيد الإسرائيلي مفتوح على كل الاحتمالات.
* نشرت بتاريخ 12 كانون الثاني 2026 في جريدة النهار.
