زكـي طـه
بيروت 30 تموز 2026 ـ بيروت الحرية
ماذا تريد اسرئيل من لبنان
ليس أكثر دلالة على عمق الأزمة اللبنانية من المفارقة التي تكشفها النقاشات الدائرة اليوم في إسرائيل حول مستقبل لبنان. ففي الوقت الذي لا تزال فيه القوى السياسية اللبنانية تتردد في فتح نقاش وطني جدي حول كيفية إعادة بناء الدولة، واستعادة السيادة، ومعالجة آثار الحرب، وإعادة إعمار الجنوب، تناقش مراكز الأبحاث ووسائل الإعلام والدوائر السياسية الإسرائيلية هذه القضايا بوصفها جزءاً من رؤيتها لمرحلة ما بعد الحرب.
و تكمن أهمية هذه النقاشات في أنها لا تعبّر عن حرص إسرائيلي على لبنان أو على استقراره. فهي تصدر عن دولة احتلال تنظر إلى كل ما يجري من زاوية أمنها ومصالحها ومشروعها الإقليمي، وتسعى إلى توظيف الانقسام اللبناني واختلال موازين القوى في خدمة أهدافها السياسية والعسكرية. لكنها تكشف، في المقابل، حقيقة لا يجوز تجاهلها: ثمة من يخطط لمستقبل لبنان بما يتوافق مع رؤيته ومصالحه، فيما لا يزال اللبنانيون مختلفين حتى على فتح النقاش حول مستقبل دولتهم.
وما يجري على الساحة اللبنانية لم يعد يقتصر على مفاوضات لوقف إطلاق النار، أو على ترتيبات أمنية على الحدود، أو على معالجة قضية سلاح حزب الله. فالوقائع التي تتكشف تباعاً، من خلال اللقاءات الأميركية ـ الإسرائيلية، وما يطرح في الإعلام ومراكز القرار الإسرائيلية، تشير إلى أن إسرائيل تتعامل مع المرحلة الراهنة باعتبارها فرصة لتثبيت نتائج الحرب، وتحويلها إلى وقائع سياسية وأمنية يصعب التراجع عنها لاحقاً.
فإسرائيل لا تفاوض فقط على انسحاب قواتها من الأراضي اللبنانية المحتلة، بل تفاوض على الشروط التي تجعل أي انسحاب جزءاً من ترتيبات تمنحها حرية التدخل العسكري، وتبقيها صاحبة الكلمة الفصل في تحديد مستوى الخطر، وفي رسم حدود المنطقة التي تعتبرها ضرورية لأمنها. ومن هنا، لا يبدو استمرار الاحتلال، أو الحديث عن مناطق عازلة أو محدودة الاستخدام، أو السعي إلى فرض قيود على عودة السكان وحركتهم، مجرد تفاصيل تفاوضية، بل عناصر في مشروع يرمي إلى إعادة تعريف وظيفة الجنوب اللبناني ووضعه الأمني والسياسي.
إن أخطر ما في هذه المقاربة أنها لا تستهدف الأرض وحدها، بل تستهدف العلاقة بين الدولة اللبنانية وجنوبها، وبين الدولة والمواطنين الذين يعيشون فيه، وبين الدولة والبيئة الاجتماعية التي شكّلت تاريخياً الحاضنة الأساسية لحزب الله. فالنقاش الإسرائيلي لم يعد يقتصر على كيفية نزع سلاح الحزب أو إضعاف قدراته، بل انتقل إلى سؤال أكثر عمقاً: من يملأ الفراغ إذا تراجع دوره؟ وهل تستطيع الدولة اللبنانية أن تستعيد ثقة المواطنين عبر إعادة الإعمار، وتعويض المتضررين، وتوفير الخدمات، وتأمين شروط الحياة الكريمة؟
ماذا يريد لبنان
إن الدوافع الإسرائيلية وراء هذه الأسئلة، انتهازية وعدوانية بلا شك. وغايتها استثمار الانقسامات اللبنانية، وفتح ثغرات داخل المجتمع، واستخدام حاجات الناس وآلامهم في خدمة مشروع الاحتلال. لكن ذلك لا يلغي أن الأسئلة نفسها تفرض حضورها على اللبنانيين، لأن بناء الدولة لا يبدأ من السلاح وحده، ولا يكتمل بالترتيبات الأمنية وحدها، بل يتطلب دولة قادرة على حماية مواطنيها، ورعاية مصالحهم، وإعادة إعمار مناطقهم، ومعاملتهم على قاعدة المواطنة المتساوية، لا على قاعدة الانتماء الطائفي أو الولاء السياسي.
لقد كشفت الحرب الأخيرة، وقبلها سنوات الانهيار الاقتصادي والاجتماعي، أن الدولة اللبنانية لا تستطيع أن تستعيد مشروعيتها بمجرد رفع شعار السيادة أو المطالبة بحصر السلاح بيدها، إذا بقيت عاجزة عن أداء وظائفها الأساسية. فالسيادة ليست مجرد انتشار للجيش أو رفع للعلم، بل هي أيضاً قدرة الدولة على حماية المجتمع، وتأمين العدالة، وتوفير الخدمات، وإعادة بناء ما دمرته الحروب، ومنع أي مواطن أو أي جماعة من الشعور وممارسة الإستقواء على سواها، أو بأنها متروكة لمصيرها.
والدولة التي تطالب باستعادة قرارها السيادي مطالبة، في الوقت نفسه، بأن تثبت قدرتها على تحمل مسؤوليتها تجاه شعبها. فإعادة إعمار الجنوب، وتعويض المتضررين، وعودة النازحين إلى قراهم، وتثبيت السكان في أرضهم، ليست قضايا إنسانية أو إنمائية منفصلة عن السيادة، بل هي من صلبها. وكل عجز عن القيام بهذه المهمات يفتح المجال أمام القوى الخارجية والداخلية، كي تقدم نفسها بديلاً عن الدولة، أو ذريعة للتشكيك بقدرتها على تمثيل جميع اللبنانيين ورعاية حقوقهم.
وفي المقابل، لا يجوز السماح لإسرائيل باستغلال ضعف الدولة لتبرير استمرار احتلالها وعدوانها. فكل ما يصدر عن مؤسساتها العسكرية والسياسية يؤكد أنها لا تنظر إلى الاتفاقات القائمة باعتبارها نهاية للصراع، بل وسيلة لإدارته بشروط تضمن استمرار تفوقها العسكري، والإبقاء على حرية تدخلها، وفرض وقائع أمنية جديدة داخل الأراضي اللبنانية. وهي لا تخفي سعيها إلى ربط أي انسحاب بشروط تتجاوز الالتزامات الواردة في الاتفاقات، وتمس جوهر السيادة اللبنانية وحق الدولة في ممارسة سلطتها الكاملة على أرضها.
متى مشروع الدولة
ومن هنا، فإن الرد الوطني الحقيقي لا يقتصر على إدانة المواقف الإسرائيلية، بل يبدأ بإسقاط الرهان الإسرائيلي على عجز الدولة اللبنانية. فكل يوم يتأخر فيه إطلاق مشروع وطني لإعادة البناء، وتعويض المتضررين، وتعزيز حضور المؤسسات العامة، هو يوم إضافي يسمح لإسرائيل بالقول إن الدولة غير قادرة على القيام بوظائفها، وإن الفراغ سيعاد ملؤه بأشكال جديدة من الانقسام أو التبعية أو النفوذ الخارجي.
غير أن مسؤولية هذا العجز لا تقع على السلطة وحدها. فالمطلوب أيضاً أن يدرك حزب الله أن استمرار ربط الساحة اللبنانية بأي مواجهة إقليمية جديدة، ولا سيما بالمواجهة التي تخوضها إيران مع إسرائيل والولايات المتحدة، لا يؤدي إلا إلى إضعاف الموقع اللبناني، وإعطاء إسرائيل ذرائع إضافية للإبقاء على احتلالها وتوسيع اعتداءاتها. كما أن التعاون مع الدولة في معالجة قضية السلاح، ضمن رؤية وطنية شاملة، لم يعد استجابة لضغوط خارجية، بل أصبح ضرورة لحماية لبنان نفسه وتعزيز قدرته على فرض الانسحاب الكامل واستعادة سيادته.
لقد أثبتت التجربة أن السلاح الذي يوجد خارج إطار الدولة، أياً تكن الذرائع التي تحيط به، يتحول مع الوقت إلى عنصر انقسام داخلي وإلى مدخل تستخدمه القوى الإقليمية والدولية في صراعاتها على أرض لبنان. كما أثبتت، في المقابل، أن المطالبة بحصر السلاح بيد الدولة لا تكون ذات معنى إذا لم تقترن ببناء دولة عادلة وقادرة، تستوعب جميع مواطنيها، وتحميهم، وتوفر لهم أسباب الثقة والانتماء.
إن لبنان يحتاج اليوم إلى مشروع دولة، لا إلى مجرد إدارة للأزمة. ويحتاج إلى سياسة وطنية تبادر إلى استعادة الجنوب، لا إلى الاكتفاء بالمطالبة بوقف الاعتداءات. فالانسحاب الإسرائيلي، وإعادة الإعمار، وعودة السكان، وتعزيز دور الجيش، ومعالجة قضية السلاح، وإطلاق الإصلاح الاقتصادي والإداري، ليست ملفات منفصلة، بل حلقات مترابطة في مشروع واحد عنوانه إعادة بناء الدولة.
مسؤولية انتاج رؤية وطنية
ومن هنا، فإن مسؤولية أركان الدولة وقوى السلطة لم تعد تقتصر على إدارة التفاوض أو انتظار نتائج الاتصالات الدولية، بل أصبحت مسؤولية إنتاج رؤية وطنية جامعة تعيد توحيد اللبنانيين حول أولويات واضحة: تحرير ما تبقى من الأرض المحتلة، ووقف الاعتداءات، وحماية حق الأهالي في العودة إلى قراهم، وإطلاق ورشة إعادة الإعمار، وتعزيز حضور الجيش والمؤسسات العامة، ومعالجة قضية السلاح ضمن إطار الدولة، واستعادة الثقة بين المواطنين والدولة، ولا سيما في الجنوب الذي دفع الثمن الأكبر للحروب والاحتلال.
وهذه المسؤولية لا تقع على رئاسة الجمهورية والحكومة وحدهما، ولا على القوى التي تطالب بحصر السلاح بيد الدولة وحدها، ولا على حزب الله وحده. إنها مسؤولية وطنية جامعة تشمل القوى السياسية والكتل النيابية والهيئات الاقتصادية والاجتماعية والنقابية والبلديات ومنظمات المجتمع المدني. فإعادة بناء الدولة لم تعد قضية فئة أو برنامج حكومة، بل أصبحت شرطاً لبقاء لبنان دولة موحدة وقادرة.
إن أخطر ما يمكن أن يقع فيه لبنان في هذه المرحلة، هو أن يتابع المفاوضات من دون مشروعه الوطني الخاص، فيما تسعى إسرائيل إلى فرض مشروعها المتكامل، وتكريس مرتكزاته الميدانية بقوة الاحتلال والأمر الواقع. فالسياسة لا تبدأ من معرفة ما يريده الخصم فحسب، بل من امتلاك تصور واضح لما نريده نحن، ومن القدرة على تحويل هذا التصور إلى موقف وطني جامع، وإلى خطة عمل قابلة للتنفيذ.
المهمة الاكثر إلحاحاً
لقد دخل لبنان مرحلة لم تعد تسمح بتأجيل الاستحقاقات الكبرى. فإما أن يبادر اللبنانيون، بكل مكوناتهم، إلى إعادة بناء دولتهم على أسس المواطنة والعدالة والسيادة، وإما أن يبقى مستقبلهم قضية مؤجلة ومتروكة لخطط الآخرين وحساباتهم.
ولهذا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يتقدم اليوم على سائر الأسئلة ليس فقط: ماذا تريد إسرائيل من لبنان؟ بل أيضاً: ماذا تريد الدولة اللبنانية من نفسها؟ وما المشروع الذي تقدمه لمواطنيها ولجنوبها ولمستقبل البلاد؟
إن بناء الدولة، وإنقاذ لبنان، واستعادة ثقة المواطنين بها، وتوحيد اللبنانيين حول مشروع وطني جامع، لم تعد أهدافاً مؤجلة إلى مرحلة أكثر ملاءمة. لقد أصبحت المهمة الوطنية الأكثر إلحاحاً، لأنها الشرط الذي يتوقف عليه مستقبل البلاد، وقدرتها على مواجهة الاحتلال، ومنع عودة الانقسام، واستعادة موقعها دولةً حرةً، سيدةً، وقادرةً على حماية جميع أبنائها.
