صحف وآراء مجتمع

القهر ونوعية التعليم ينتجان لبنانيا مزدوج السلوك السياسي

محمد قدوح

الجنوب 12 شباط 2026 ـ بيروت الحرية

مفارقة ملفتة تعبر عن الفجوة الصارخة بين المستوى العلمي العالي لغالبية اللبنانيين من الشباب. مستوى يؤهلهم لمواكبة التطور التكنولوجي على مستوى الاعمال والعلاقات مع الخارج وضمن نظم الحياة فيه، والذي يفترض أن ينعكس وعيا متطورا في النظر إلى الواقع اللبناني، والتصرف بما يؤدي إلى وقف دوامة الصراع  بين مكونات الشعب، و بين الممارسة العملية على المستويين العام و الخاص، التي تعكس النظرة إلى الذات والآخرين وتجعلها على درجة كبيرة من التخلف، تحمل في طياتها الفرقة بين اللبنانيين، واستجداء الخارج للتدخل. وبالتالي تكرار دوامة الصراع والعنف المستمر مند نشاة الكيان اللبناني. وهو ما يؤكد أن اللبناني ما زال عاجزا عن قراءة الواقع بنظرة علمية ونقدية، والتخطيط  للخروج من الواقع المأزوم والسيطرة على مصيره وتوجيهه إلى ما يخدم مصالحه و تحقيق امانيه بالاستقرار و التطور .

لماذا هذه الفجوة؟

تعود هذه الفجوة بحسب علم النفس الاجتماعي إلى تداخل العوامل الذاتية والعقلانية في النظرة إلى الوجود، والتي تختلف في البلدان المتقدمة عما هى عليه في البلدان النامية، حيث تسير هذه النظرة في الأولى نحو مزيد من التجرد وتنحو نحو الموضوعية ، فيما لا تزال في الثانية اسيرة الانفعال والذاتية وأنظمة القهر بمختلف اشكالها.

تعود هده الازدواجية في شخصية المتعلم إلى المسافة بين دوره  في الحياة اليومية، وبين حضوره في المناسبات العلمية، و قدرته على استخدام التكنولوجية المتطورة إلى سببين رئسيين:

أولاً يعود إلى المعتقدات المكتسبة التي تُغرس في شخصيته مند الطفولة، وعدم قدرة المدرسة على انتزاعها بسبب اعتماد التلقين كوسيلة التعليم، والتي لا تساعد الطالب على اكتساب التفكير النقدي. إضافة إلى ممارسة التعليم من خلال علاقة تسلطية حيث تمتنع مناقشة سلطة المعلم، فتؤدي هده العلاقة اللاعقلانية إلى منع الطالب من التمرس في السيطرة على شؤونه ومصيره.

كما تساهم المواد الدراسية المستوردة من الخارج وتدريسها باللغة الاجنبية في الانفصام بين لغة الحياة اليومية والعلم. فتبقى هذه المواد كاللغة الاجنبية غريبة عن واقع الطلاب وعالمهم. وهو ما اكده بحث أجراه د. نزار الزين حول العلاقة بين اللغة والتكوين العقلي. حيث استنتج وجود علاقة جدلية بين اللغة والواقع، وبين اللغة والفكر. ورأى أن الصيغ اللغوية  تؤثر في الذهن وتنظم التفكير بشكل معين. فادا كانت اللغة مشبعة بالانفعالات والنظرة اللاعلمية إلى الواقع،  فانها ستؤدي حتما إلى  النظرة  الخرافية للوجود. وخلص إلى أن التدريس بلغة  الحياة اليومية من شانه أن يدخل الصيغ العلمية على اللغة ويطورها، مما يؤدي إلى ادخال الصيغ العلمية على ذهنية الطالب.

ثانياً: يعود إلى رضوخ اللبناني إلى الفئة المسيطرة سياسيا واقتصاديا، والتي تمارس عليه انواعا عديدة من العنف المادي والمعنوي تتغلغل في نسيج الذهنية العقلية، فتولد حالة الخصاء الذهني، التي تشكل امتدادا نفسيا لوضعية القهر الاجتماعي. هده الاسباب مجتمعة تؤدي إلى إعادة تفسير المنهجيات النظرية والتقنيات المستخدمة في المجال المهني من خلال قوالب جامدة وتقليدية، مما يفقدها  قدرتها التغييرية الشاملة. أو الحد منها إلى درجة كبيرة. وهو ما يفسر التفكير الجامد لدى اللبناني العاجز عن العمل تبعا  لمبدأ التناقض. و يؤكد أن التخلف في العمل السياسي هو نتيجة العجز عن استخدام المنهج الجدلي بمختلف مبادئه. لذلك نجد أن الخطاب السياسي اللبناني ينطلق من مبدأ العزل والفصل. وهوتجريد فارغ لا حياة فيه، لأن كل شيء  هو لذاته وللاخرين. وهو دوما في علاقة أو مجموعة علاقات مع اشياء اخرى لأن الانسان ليس وحده، بل هو جملة العلاقات التي يقيمها مع الآخرين وينغرس فيها.

التحيز في الأحكام السياسية

لذلك فإن االمواقف والاحكام السياسية تشوبها الكثير من حالات التحيز والتسرع، وتتاثر بالأحكام المسبقة التي يطغى عليها التعصب، التي تصنف الناس ضمن فئات جامدة. يُنظر إليها أما ايجابية كلها أو سلبية كلها. هذه الاختزالية تحوّل الآخر من حالته كشخص إلى مجرد اسطورة قد تلعب دور السند الحامي والمنقذ، أو رمز السوء والخطر. وهو لذلك يقبل على العالم مترددا، يتجنب وضع امكاناته موضع اختبار خوفا من الفشل، أو حتى لا يتضح عجزه. وتبعا لذلك يتذبذب بين الشعور بالعجز عن استيعاب ما يحصل في عالمه، وبين مشاعر السيطرة على الواقع، و يعجز عن الجمع في سياق واحد بين الأوجه الايجابية والسلبية.  هذا العجز والقصور يجعل اللبناني راضخا و مستسلما امام ظواهر الحياة والمجتمع، التي يراها اكبر من طاقته على الاستيعاب،  بسبب عقدة النقص حيال قوى السلطة بمختلف اشكالها ومستوياتها، لذلك يفتقر إلى الاحساس بالقوة والقدرة على المجابهة التي تعيد له بعض الاحترام للذات.

ازاء هذا العجز لم يبق امام اللبناني من من خيار سوى الاحتماء في حضن الطائفة، والتفيوء في ظل الزعيم الذي يرى فيه القوة القادرة على حمايته من الاخر المختلف،  مصدر الخطر الذي يهدد مصيره. هكذا يعيد النظام الطائفي انتاج نفسه، فتتكرر المأساة اللبنانية كلما شعرت طائفة بالغبن أو وجدت الفرصة لإستعادة ما خسرته في جولات سابقة من الصراعات بين الطوائف. ويبقى السؤال المطروح منذ نشاة الكيان اللبناني هل بإمكان اللبنانيين الخروج من هذه الدوامة القاتلة؟

الأمر رهن قدرة اللبناني على تنقية الذهنية العلمية من بصمات التخلف، التي لا تزال مسيطرة على رؤيته للواقع ولنفسه وللآخر. وذلك عبر تطوير اساليب ومناهج التعليم بما هو مطلوب لتحفيز الطالب على التفكير والنقد، كى لا يبقى التعليم مجرد قشرة خارجية، يمكن أن تتساقط اذا تعرض العقل للاهتزاز، فتنهار عند الأزمات، لتعود الشخصية إلى نظرتها التقليدية للعلم والعالم.

والأمر رهن التخلص من الخصاء الذهني المسؤول عن قصور التفكير الجدلي والذهنية العلمية أيضا، وذلك من خلال مواجهة عنف السلطة بمختلف اشكاله. عندئذ يمكن أن يتلمس اللبناني طريق الخروج من دوامة  العنف القاتلة، عبر استبدال النظام القائم بنظام مدني علماني ديمقراطي يحترم  خصوصية الجماعات الطائفية، لكنه لا يعتبرها المسؤولة عن علاقات الأفراد والجماعات مع المؤسسات العامة. قد يبدو هذا الهدف صعب المنال لكنه ليس مستحيلا بأي حال من الأحوال.