صحف وآراء مجتمع

الصمود كسلاح مقاومة ضد مشاريع الاحتلال والتهجير

محمد قدوح

الجنوب 4 كانون الثاني 2026 ـ بيروت الحرية

لم ينظر (فرانز فانون) إلى العنف الاستعماري التقليدى بوصفه حدثا آنيا، بل نظر اليه كعملية ممنهجة تستهدف وجود الشعب المستعمَر ذاته، عبر الاخضاع والسيطرة والتهميش، واضعاف قدراته على تأمين مقومات استمرارية الحياة. بهذا المعنى فان الحرب الاسرائيلية المتواصلة منذ أكثر من عامين على لبنان، لا تعتبر امتدادا للعنف الاستعماري التقليدي فحسب، إنما تشكل التعبير الأكثر جذرية عنه. لقد تجاوز هذا العنف مسألة السيطرة على المناطق الحدودية اللبنانية، إلى محو العمران وكل الرموز التي تشير إلى وجود السكان فيها، وهو يستمر في تدمير ما تبقى من المنازل، وتجريف الأراضي الزراعية واقتلاع الأشجار، ولا سيما اشجار الزيتون المعمرة التى يرتبط وجودها بوجود الانسان. وهو ما يؤكد أن العنف الذي تحدث عنة (فانون) لم يختفِ، انما تغير شكله وتضاعفت قوته، واتسعت دائرته ليستهدف البشر والحجر والهوية والذاكرة الجماعية للسكان. وفي هذا السياق يقول (بورديو) إن السيطرة لا تعمل فقط بالعنف المباشر، بل تعمل ايضا بالعنف الرمزي الذي يجعل الخاضع يتبنى معايير الخضوع بوصفها حالة طبيعية، حيث يصبح التعقل مساويا للجبن، الاعتراف بالخطأ يصبح فضيحة. ويبدو من خلال المعلومات المتداولة أن المفاوضات التي بدأت بين لبنان واسرائيل برعاية دولية واميركية، أن العدو سوف يعمل وفق هذه الاستراتيجية، حيث سيعمل على تثبيت سيطرته الأمنية على المناطق الحدودية، واقامة منطقة عازلة تحت مسمى المنطقة الاقتصادية، تتضمن شروطا يجب أن يخضع لها السكان الذين سيعودون إليها. وهو ما يشير إلى أنه سيتم التعاطي معهم بصفتهم عمالا في المشاريع الاقتصادية المنوي انشاؤها، وليس كمواطنين لبنانيين يقيمون فيها، وهو ما يؤكد أن العودة الى هذه المناطق لن تكون متاحة لجميع الأهالي.

في هذا السياق من الأهمية بمكان الإشارة إلى بعض الاحداث التي بدت في حينها خارج سياق الحرب التي كانت تحدث في المناطق الحدودية منها:

اولا- استقدام المؤرخ الاسرائيلي  الذي قتل في  قلعة بلدة شمع لدراسة هذه القلعة وربطها بالسردية التاريخية للكيان الصهيوني، باعتبارها اراضٍ اسرائيلية.

ثالثا – محاولة نسبة العديد من القرى والمواقع اللبنانية إلى التراث الديني اليهودي والعبراني، وتحويلها إلى أمكنة دينية مقدسة، ما يفتح على المطالبة بها وإلحاقها بالكيان الصهيوني.

رابعا – اعتبار الحرب التي تشنها على لبنان حربا مقدسة كونها تستهدف إلى صد التعديات على كيان دولة إسرائيل كما نصت عليها الوعود الواردة في التوراة.

خامسا- مصادرة التراث الحضاري اللبناني ونسبته إلى اليهود العبرانيين. كما تحاول مع الشعب الفلسطيني لمحو شخصيتها الحضارية، عندما تدعي أن أنماطا من الأغاني والألبسة تعود إلى التراث الاسرائيلي.

خامسا– محاولة نسبة بعض الأطعمة اللبنانية للاسرائيليين كصحن الحمص والمتبل والتبولة باعتبارهم جزء من المطبخ الإسرائيلي. وبالتالي قد لا تتفاجأ بادعاء العدو الاسرائيلي أن الفراكة والمجدرة الحمرا جزء من تراثه أيضا.

الخلاصة مما تقدم أن العدو الاسرائيلي سيعمل على طمس تاريخ هذه المناطق وهويتها وثقافتها وتراثها، ولا يستبعد أن يقدمها غدا أمام العالم على أنها أرض خالية من السكان.

كيف يمكن لشعب مواجهة رغبة محوه

الصمود هو أحد أبرز مسارات المقاومة في مواجهة اقتلاع السكان من ارضيهم، وهو يمثل استراتيجية وجودية متجذرة لدى سكان المناطق الحدودية، ولهم تجارب سابقة على هذا الصعيد، تجارب تقوم على الصمود ورفض الانكسار والخضوع للمحتل والحفاظ على الهوية والثقافة الوطنية وتماسك المجتمعات المحلية للبلدات والقرى وتحصين وتطوير ثقافتها وتراثها، ولهذا الصمود عدة مستويات اهمها:

  • الصمود في البلدات والقرى وهو ما يحصل حاليا، ويتمثل في العودة الممكنة إليها والاقامة فيها، على الرغم من عدم توافر شروط العيش الكريم والأمن. وقد سُجِّل عودة قسم لا بأس به من هؤلاء السكان، وغالبيتهم من الفلاحين واصحاب المهن الحرة، الذين لا يمتلكون منازل خارج بلداتهم وقراهم. وقد تفاوتت نسب العائدين بين بلدة وأخرى تبعا لحجم الدمار فيها ومستوى الخطر الذي يتهددها.
  • المستوى الثاني يتمثل في الصمود الاجتماعي، الذي تلعب فيه العائلة والمجتمع المحلي ركيزة اساسية للبقاء والحفاظ على التماسك الاجتماعي ، حيث يجري إعادة تنظيم الحياة وتوفير شبكات أمان اجتماعية بديلة، وهو ما يعتبره (البير كامو) صمودا في وجه الظلم، ورفض الاستسلام والانصياع للقوي، وتعبيرا عن إرادة الحياة في احلك الظروف، لقد سبق وأن اتاح الصمود الاجتماعي لأهالي هذه البلدات والقرى خلال محطات تهجير سابقة أن تجاوز صعوبات الحياة والتغلب عليها، وشق الأهالي طريقهم نحو المستقبل داخل لبنان وخارجه، وعادوا إليها واعادوها افضل واجمل مما كانت عليه.
  • المستوى الثالث هو الصمود الثقافي، لقد استهدف العدو خلال حرب عام 2006 الحارات القديمة في معظم البلدات والقرى، وهو ما يمثل تدميرا لرموز تاريخية وثقافية واجتماعية. وذلك في محاولة لإحداث قطع بين الماضي والحاضر وبين الأجيال الحالية والاجيال السابقة، باعتبار أن التاريخ الانساني هو الذي يصنع التاريخ حسب (ابن خلدون). ولا بد من أن يحمل معه أثر طبيعة المجتمعات التي هي كيانات حية تنمو وتتطور، وكذلك ثقافة هذه المجتمعات التى تستدعى عند كل تحول جديد تفكيرا جديد، والتاريخ يؤرخ والثقافة والتراث ايضا كما يقول (الجابري) يشكلان مخزونا مهما لإعادة التفعيل باستمرار، للحفاظ على الذاكرة الجماعية للمجتمعات التى تختزن تفاصيل الحياة اليومية والكثيرمن التجارب والأحداث والقصص بين ابناء هذه البلدات والقرى. والحقيقة أن الكثير من المؤرخين والباحثين في الثقافة والتراث لهم تجاربهم التي توثق المخزون التاريخي والثقافي والتراثي ، لكن المهم أن لا يختصر الموروث الديني الثقافة والتراث وإنما يمثل جزءً منه.
  • المستوى الرابع من الصمود يتمثل باستدراك وقوع الكارثة، أي تحقيق العدو لأهدافه، وذلك بأن لا نكتفي بالرفض الكلامى والتعبير عن كراهية العدو، لأنه عندما تصبح الكراهية معيارا وحيدا للموقف وتصبح هي البوصلة، تصبح خطرة وتمهل قياداتنا من قبل العدو وذلك بحسب ما قال (اريك فروم)، ومما يوجب النظر إلى ما يحصل حولنا بدقة وواقعية، وفي هذا السياق من الأهمية بمكان مواكبة المفاوضات مع العدو الاسرائيلي بسلسلة من التحركات التى تدعم موقف المفاوض اللبناني، والتي تتعلق بالضغط الشعبي من أجل الانسحاب الاسرائيلي من الاراضي اللبنانية ، وعودة الأهالي إلى بلداتهم وقراهم وإعادة إعمار منازلهم وزراعة أرضهم.

إن بعض الفعاليات التى تنظم في بعض البلدات مثل الخيام وعيتا الشعب والاحتفالات بعيدي الميلاد ورأس السنة من شأنها ترسيخ المجتمع في أرضه وأن تعزز فكرة العودة والتمسك بالأرض، ومن الأهمية بمكان تعميم هذه الظاهرة على جميع البلدات والقرى