اقتصاد سياسة مجتمع

الصراع حول مشروع الانتظام المالي داخل الحكومة وخارجها: جمعية المصارف تعلن حرباً مفتوحة وتستنفر جبهة المعترضين

 

 زهير هواري

بيروت 25 كانون الاول 2025 ـ بيروت الحرية

خلال الأيام الماضية الفاصلة بين العام الماضي والجديد، شهد لبنان اصطفافات لم يشهد مثيلا لها بين أطراف كانت مصالحها دوما متضاربة إلى هذا الحد وذاك. فقد انضوت العديد من القوى في مواقف موحدة قوامها رفض مشروع قانون الانتظام المالي الذي طرحته الحكومة وناقشته في جلسات ماراثونية عقدها مجلس الوزراء في كل من القصر الجمهوري والسراي الحكومي، وانتهت إلى ادخال تعديلات على المشروع الأصلي. بالطبع من المقرر إحالة المشروع على مجلس النواب تمهيدا لمناقشته واقراره. ما يعني أن المجلس سيعمد هو الآخر إلى ادخال تعديلات إضافية، ما يطرح أسئلة فعلية حول ما سيتبقى منه بعد هذه “الجراحات” التي أدخلت على جسده مرة أولى وثانية وثالثة. والملفت في هذه الحملة أنها تتم بمثابة تعويض عن سنوات من غياب المناقشات وتكريس التوجهات الفعلية للتصدي للمعضلات الاقتصادية والمالية المستحكمة في البلاد، ما يعبر عن تقصير فاضح في أداء المجالس النيابية والحكومات السابقة وصولا إلى المواجهة الراهنة.

والحقيقة أنه للمرة الأولى منذ العام 2019 يشهد لبنان مناقشات مستفيضة لمسألة الديون والخسائر وترتيبها وتحديد مسؤولية الجهات التي ستتحمل أعباء الانهيار المالي والنقدي الذي طغا على الحياة الاقتصادية من مداخل متعددة. أبرزها من دون شك كان التوقف عن سداد القروض الخارجية، والانهيار في قيمة النقد الوطني الذي خسر حوالي 95 % من قيمته، قبل استقرار الدولار. واستبدال النظام المصرفي عبر البنوك بالنظام النقدي مع مخاطره المرتفعة على البلد واقتصاده وعلاقاته بالأسواق الخارجية، وتعذر تأمين أي عملية تمويل للقطاعات أو تقديم قروض انتاجية، واحتمال حدوث المزيد من التراجع بالمقاييس الدولية في مواقع الاقتصاد الوطني الذي هو الآن في المرحلة الرمادية، ومهدد بالانتقال إلى المرحلة السوداء، اذا ما ظل محكوما إلى اقتصاد “الكاش” النقدي، الذي يبقي البلد مكشوفاً على اقتصاد التهريب وتبيض الاموال وكل ما يدخل في باب الاقتصاد غير الشرعي. الامر الذي يساهم في فرض المزيد من الحصار الخارجي. وهو وضع من شأنه أن يستنزف ويشل السلطة السياسية على يد الميليشيات الظاهرة والمستترة، ما يعني ترنح وسقوط إمكانية اعتماد خطوات الإصلاح المطلوبة داخليا كمدخل للعودة إلى الاقتصاد الطبيعي. ووضع من هذا النوع من شأنه أن يضعف أي محاولة للملمة شتات الدولة وإعادة انتظام مؤسساتها، ما يعني عطفا على الضغوط السياسية وضع الكيان في مهب الريح.

صرعات وتناقضات

وعليه، فقد اجتمعت أطراف متناقضة اتفقت على رفض المشروع الذي وضعته الدولة ممثلة بكل من رئيس الحكومة ووزارتي المال والاقتصاد وحاكم المصرف المركزي. أما الأطراف المضادة فقد ضمت كلا من جمعية المصارف والمودعين والعديد من الكتل والقوى السياسية في السلطتين التنفيذية والتشريعية والنقابات وكل منها لها اعتباراتها.

لكن قبل ان نتحدث عن الكيفية التي اجتمعت فيها هذه القوى، لا بد من القول إن المشروع يعرض في لحظة مفصلية يعيشها لبنان ليس على الصعيد الاقتصادي فقط، بل على المستوى السياسي. انطلاقا من الغارات والتهديدات الإسرائيلية المتصاعدة بالعودة إلى تفجير الوضع الأمني على نطاق واسع من خلال عمليات هجومية، وبالتالي تعطيل أي إمكانية لخروج  البلد من القاع الذي يتخبط فيه، على صعيد تعذر إعادة الإعمار في الجنوب وانسحاب القوات الإسرائيلية من مواقع احتلالها، واطلاق سراح الأسرى اللبنانيين، ووقف الهجمات اليومية، وترسيم الحدود البرية، والشروع في تنفيذ المرحلة الثانية من خطة الجيش لجمع السلاح من حزب الله والقيام بالإصلاحات المطلوبة.

والمشروع هو أول نص تشريعي متكامل يتصدى لأزمة الفجوة المالية التي كثر الحديث عنها، وتباينت عملية مقاربتها لدى الأوساط المالية والنقدية. وهو يطمح لاستعادة انتظام عمل القطاع المصرفي الذي فقد دوره ووظائفه العامة خلال الأعوام الستة المنصرمة، جرّاء الأزمة وحالة التعثر الشامل التي اصابت البلد. وتتضاعف أهمية المشروع كونه يقطع مع حال التواطؤ والصمت التي حكمت الأزمة منذ نشوئها لجهة الاعتراف بوجود فجوة مالية فادحة تتطلب المعالجة. فغياب التشريعات رغم مطالبات المتضررين، والحاح صندوق النقد والبنك الدولي وخبراء البعثات المالية منذ العام 2019 وحتى اليوم كان المعبر الذي قاد إلى شتى أنواع الارتكابات التي دفع ثمنها الاقتصاد وصغار المودعين، وحصد جناها كبارهم ممن حولوا أموالهم إلى الخارج ونظموا الصفقات مع إدارات المصارف.

ورغم اهمية هذا المفصل إلا أن ذلك لا يفي بالغرض باعتبار أن الأمر يتطلب الدخول في تفصيلات الأسباب التي قادت إلى هذه الفجوة، ومسؤولية كل طرف او جهة عن بلوغها ما بلغته. وهو ما يطال كلا من الدولة والمصرف المركزي والمصارف التي جندت قواها من أجل جذب الودائع باغراء الفوائد المرتفعة، دون أن تعبأ بالمخاطر الناجمة عن افراط الدولة بالاستدانة، والانفاق العبثي الذي مثَّل مزاريب هدر في مختلف القطاعات. ما جعلها بمثابة شريك مع الدولة في هدر أموال المودعين، بنتيجة إخراجها من التوظيف في قطاعات منتجة ووضعها في باب النفقات غير المجدية. كما أن قسما من الودائع كان يتم توظيفها لتسديد التزامات سابقة بعد تهريبها إلى الخارج بغطاء قانوني.

مواقف ضد المشروع

بالتوقف عند معارضي المشروع نبدأ من داخل مجلس الوزراء الذي شهد نقاشات طويلة عريضة بين وزراء الحكومة أنفسهم امتدت إلى ساعات كثيرة في ثلاثة جلسات متتابعة. وفي هذا الاطار تلاقى ممثلو القوات وحزب الكتائب وآخرين، على رفض المشروع جملة وتفصيلا، وطالبوا بتحميل الدولة حصة أكبر من مسؤولية الفجوة المالية وتخفيف العبء عن المصارف. هذا مع العلم أن الخطاب الشعبوي لهؤلاء يتمترس خلف حقوق المودعين، الذين لن يستعيدوا كامل ودائعهم، كذلك لا يؤمن المشروع المحاسبة والمساءلة عما حدث. وبذلك يتقاطعون مع موقف جمعية المصارف التي تتنصل من المسؤولية وتلقيها على عاتق الدولة. لذلك كان قسم منها يلح على خوض اضراب مفتوح ضد المشروع منذ اعلان بنوده، لأنه يحملها- تبعا لأقوالها- ما لا طاقة لها على دفعه لصغار المودعين اقساطا شهرية بحدود الـ 2000 دولار على مدى أربع سنوات، والمتبقى من وديعة تزيد عن 100 ألف دولار يتحول إلى سندات خزينة. ومن المعروف أن  جمعية المصارف تدير أكثر من ” لوبي ” في المواقع السياسية والإعلامية وغيرها، بدليل تعثر كل المحاولات السابقة لمقاربة ما يشبه الحلول للأزمة.

أما جمعية المودعين فهي تريد الحصول على الودائع العالقة دفعة واحدة بدل قبضها أقساطا شهرية لأربع سنوات (قضت التعديلات بتخفيض قيمة القسط الشهري إلى 1500 دولار)، كما هو مطروح. وتعارضه أيضا بعض نقابات المهن الحرة (محامون، مهندسون وأطباء) كونه لا يميز بين أموالها المودعة وأموال الأفراد لجهة طريقة تحصيلها. وقد قدمت نقابة المحامين مطالعة أولية تساءلت فيها عن أسباب عدم اصدار قانون الكابيتال كونترول وعدم تشكيل لجنة تحقيق خاصة تضع تقريرا مفصلا عن أسباب الكارثة، ولماذا حدث تقصير في إقرار قانون إعادة الانتظام المالي واسترداد الودائع على نحو مبكر، وقضية تحويل المليارات إلى الخارج، وعدم التدخل في الهندسات المالية و…

ووصفت نقابة المحامين المشروع بأنه يفرض “هيركات” قبل الشروع في توزيع الودائع. وطالبت بتنفيذ قوانين مكافحة الفساد والإثراء غير المشروع واسترداد الأموال المتأتية عن أعمال الفساد وتبييض الأموال و.. وعليه فقد توصلت إلى أن المشروع لا يهدف إلى استرداد الودائع، بل إلى إدارتها زمنيا عبر اقتطاعات مقنَّعة ورد جزئي ومؤجل، ما يؤدي إلى تبرئة الدولة ومصرف لبنان والمصارف مما حدث خلال السنوات الست السابقة.

بعض إيجابيات المشروع

اذن حضرت المعارضة للمشروع من داخل السلطة التنفيذية وفي الوسط النقابي والشارع من خلال الاعتصام على طريق بعبدا نحو القصر الجمهوري، ما استدعى اعلان رئيس الجمهورية وقوفه على الحياد بين وجهتي النظر. في المقابل برزت مواقف بين بين. فقد وقف وزراء الثنائي الشيعي واللقاء الديمقراطي ونائب رئيس الحكومة مع طرح الحل الوسط الذي تقدم به وزير الاعلام الذي يقضي بالتوفيق بين المشروع المطروح، وما تقدم به المودعون والمصارف من ملاحظات. واستند الوزير بول مرقص إلى خبرته كمحام طوال مدة 28 عاما في مضمار القوانين المصرفية. أيضا برزت جبهة مدافعة عن المشروع ممثلة برئيس الحكومة ووزيري الاقتصاد والمالية ترى أنه كمسودة يرسم خارطة طريق للمودع الصغير الذي يصل ما مجموعه 85 % منهم إلى حقوقهم عبر نظام دفع متدرج لمدة اربع سنوات، وما يتبقى يحصلون عليه من خلال سندات مضمونة الأصول، مع إعطاء المودع الكبير الأمان أيضا. والمشروع على حد قول وزير الاقتصاد عامر البساط يعيد الأموال بطريقة شفافة، ويؤكد التزام الدولة، لأنه يعيد هيكلة ورسملة المصارف، لا سيما وأن الاصول موجودة ما يعطي الناس الثقة. خصوصا وأن الدولة ستتحمل مسؤولياتها وكذلك المصرف المركزي والقطاع المصرفي. ويؤكد أن الدولة ملتزمة أن تقوم بإعادة هيكلة المصارف ولديها الاصول الكافية ويبقى القرار لدى المجلس النيابي. ويعتبر البساط المشروع بأنه يعيد الثقة بالنظام المصرفي اللبناني. ومدخل ذلك البدء بتقييم الفجوة المالية في المصرف المركزي، واستنادا إلى ذلك النظر إلى أوضاع المصارف ووضعيتها وإعادة هيكلتها ورسملتها. أما حاكم المصرف المركزي كريم سعيد فوصف المشروع بأنه يحقق العدالة والانصاف، وهو أفضل هدية يمكن أن نقدمها للناس لمناسبة الأعياد. الرئيس سلام كان خلال الاجتماعات الماراثونية يتولى الدفاع عن المشروع وصد الهجمات التي يتعرض لها بما فيه الاقتراحات التي عرضها البعض، والقاضية بتشكيل لجنة وزارية لمتابعة الملف. وأصر على تسريع إنهائه وتحويله إلى المجلس النيابي، متوافقا في ذلك مع الرئيس عون الذي اعتبر أن النقاش في المشروع يجب أن يحصل تحت قبة البرلمان.

الخلاصة والاستنتاجات

من المهم القول إنه وعلى الرغم من النواقص التي تعتري المشروع لجهة توفير المقاربة القانونية الشاملة للأزمة الاقتصادية والمالية العامة في البلاد، ورسم اطار فعلي لآليات الخروج منها وضمان عدم تكرارها، والاعلان عن توزيع عادل للأعباء بما يتلاءم مع حدود مسؤولية كل طرف عما آلت إليه الأوضاع المالية، واسترداد الأموال المنهوبة من الدولة والمودعين بأشكال شتى، ومن بينها التضخم وتباين أسعار الصرف، ما قاد إلى خسارتهم ما لا يقل عن 80 مليار دولار على مدى سنوات الأزمة، سعار الصرف وأسوغياب المحاسبة عن القرارات التي اتخذتها إدارات المصارف وأودت بأموال المودعين لصالح جهات سياسية ومالية نافذة، وتحديد مسؤولياتهم عن استعادة الأموال التي جرى إخراجها من البلاد، بالنظر إلى ما اطلعوا عليه من معطيات حول الأزمة الزاحفة منذ اندلاعها، والاكتفاء بغرامة قدرها 30 % فقط من هذه الأموال المنقولة إلى الخارج. ويبقى في الختام القول إن ما تجدر الإشارة إليه أن مشروع الانتظام المالي كمشروع تسوية الذي أنجزته الحكومة يتعرض للتآكل من داخل الحكومة ومن خارجها أيضا وسيتضاعف هذا المنحى في المجلس النيابي مع وضعه على سكة النقاش، مترافقا مع اقتراب موعد الانتخابات النيابية في العام 2026. ألم تعلن جمعية المصارف الحرب المفتوحة على المشروع منذ البداية وبهدف وضع اليد على الأملاك العمومية ( طيران الشرق الأوسط ، كازينو لبنان وانترا والاملاك البحرية و..) واحتياط الذهب، ما يعني أن المصارف ما تزال مصرة على منحاها الهجومي ضد أي توجه يقلص من هيمنتها وأرباحها، ويرغمها على استعادة ما جنته يداها من “أموال حرام” المودعين.