* زكريا نمر
لنكن صريحين لا يمكن لدولة أن تكون دولة كاملة السيادة إذا كانت داخل حدودها جماعة تمتلك من القوة ما يسمح لها بأن تنافس مؤسسات الدولة في القرار، أو أن تستخدم السلاح خارج احتكارها القانوني، أو أن تفرض على الدولة حدودا لا تستطيع تجاوزها. هذه ليست مسألة مرتبطة بحزب الله وحده، ولا هي خلاف بين جماعة سياسية وحكومة لبنانية. المسألة أعمق من ذلك: إنها تتعلق بالسؤال الأساسي في فلسفة السياسة: من يملك السلطة النهائية داخل الدولة؟ وإذا كانت الإجابة غير واضحة، فهناك مشكلة في الدولة نفسها.
الدولة الحديثة لا تقوم فقط على وجود حكومة ورئيس وبرلمان ودستور. الدولة تقوم على وجود مركز سياسي وقانوني واحد يستطيع أن يجعل القانون نافذا على الجميع. ولهذا اعتبر ماكس فيبر احتكار الدولة للاستخدام المشروع للقوة أحد المعايير الأساسية لتعريف الدولة الحديثة. المقصود ليس أن الدولة تمنع كل فرد من استخدام القوة في كل ظرف، وإنما أن الدولة هي صاحبة القرار النهائي في تحديد من يملك حق استخدام القوة ومتى وتحت أي شروط. عندما يصبح هناك فاعل مسلح يستطيع اتخاذ قرار الحرب أو السلم بصورة مستقلة عن المؤسسات الدستورية، فإن المسألة تتحول من مجرد وجود حزب قوي إلى ازدواج في السيادة.
تبدأ الأزمة الجماعة التي تتحول إلى سلطة، المشكلة لا تبدأ عندما تكون الجماعة قوية. فالديمقراطية تسمح للأحزاب والنقابات والجمعيات والتيارات الدينية والفكرية بأن تكون قوية ومؤثرة. المشكلة تبدأ عندما تنتقل الجماعة من المنافسة على السلطة إلى امتلاك أدوات مستقلة عن الدولة. هناك فرق بين أن تكون لديك شعبية وأن تمتلك قوة عسكرية مستقلة، وبين أن تشارك في الانتخابات وأن تمتلك قرارا أمنيا مستقلا، وبين أن تقدم خدمات اجتماعية وأن تنشئ منظومة مؤسساتية تنافس مؤسسات الدولة.
تتحول الجماعة من فاعل داخل الدولة إلى مركز سلطة داخل الدولة. وهذا ما يجعل الحالة اللبنانية شديدة التعقيد. فحزب الله ليس مجرد حزب انتخابي؛ فهو فاعل سياسي وعسكري واجتماعي يمتلك تاريخا وشبكات نفوذ وقاعدة شعبية واسعة، وقد وصفته دراسات سياسية بأنه فاعل هجين يعمل داخل مؤسسات الدولة وخارجها في الوقت نفسه. والأدق من عبارة الدولة داخل الدولة أن نقول إننا أمام تعدد في مصادر السلطة. فحين تستطيع جماعة أن تقدم الأمن والخدمات والحماية والتمثيل السياسي، بينما تعجز الدولة عن تقديم المستوى نفسه، فإن الجماعة لا تعود تعتمد على السلاح وحده. إنها تبدأ في بناء شرعية اجتماعية. تصبح المواجهة أصعب. الدولة الضعيفة تصنع القوة الموازية من السهل أن نضع المسؤولية كلها على الجماعة المسلحة. لكن هذا التحليل ناقص.
السؤال الأكثر أهمية هو كيف وصلت الجماعة إلى هذه القوة؟ لم تصبح الجماعات الموازية أقوى من الدولة لأن لديها إرادة فقط، وإنما لأن هناك مؤسسات ضعيفة، ونخبا سياسية عاجزة أو مستفيدة، وانقسامات اجتماعية، وأزمات اقتصادية، وفشلا في توفير الأمن والخدمات، وتنافسا بين الهويات الأولية والمواطنة.
في لبنان تحديدا، لا يمكن فهم نفوذ حزب الله بمعزل عن ضعف الدولة نفسها. فدراسات حديثة تشير إلى أن تقليص نفوذ الحزب لا يمكن أن يكون عسكريا فقط، لأن الدولة تحتاج إلى استعادة قدرتها على تقديم الأمن والخدمات والوظائف والحماية الاجتماعية حتى تستعيد شرعيتها في المناطق التي تعتمد على الحزب. هذه نقطة يجب ألا تهرب منها الدولة العربية عموما الجماعة لا تملأ الفراغ إذا لم يكن هناك فراغ.
حين تتراجع الدولة، يتقدم البديل. وحين تعجز الدولة عن حماية مواطنيها، سيبحث المواطن عن الحماية في مكان آخر. وحين تفشل الدولة في تقديم الخدمات، ستظهر مؤسسات موازية. وحين تفشل الدولة في إنتاج العدالة، ستنشأ آليات بديلة للعدالة. وهكذا تتحول الدولة من المرجعية الأولى إلى واحدة من عدة مراجع.
المشكلة ليست في حزب الله وحده، إذا كان النقد جادا، فيجب ألا يتحول إلى خطاب يستهدف جماعة واحدة ويتجاهل الظاهرة. أي جماعة يمكن أن تتحول إلى مشكلة للدولة إذا اعتبرت نفسها أعلى من المؤسسات الدستورية. يمكن أن تكون الجماعة دينية أو طائفية أو قبلية أو قومية أو أيديولوجية أو عسكرية. الشكل يتغير، لكن المنطق واحد نحن الجماعة، ونحن نملك الشرعية، ونحن نحدد مصلحتنا، ولذلك لا تنطبق علينا القواعد نفسها. يبدأ انهيار الدولة فالخطر ليس في أن يكون للمسيحيين تنظيم سياسي، أو للمسلمين حزب سياسي، أو لقبيلة تنظيم اجتماعي، أو لحركة قومية مشروع سياسي.
الخطر يبدأ عندما يتحول الانتماء إلى مصدر لحق استثنائي في القوة والسلطة. حين يتحول الدين إلى مصدر للسيادة الدين يصبح مشكلة سياسية عندما لا يعود مجرد عقيدة أو هوية أو مرجعية أخلاقية للأفراد، بل يتحول إلى وسيلة لمنح جماعة سياسية حقا استثنائيا في الحكم، وعندما تقول جماعة: نحن نمثل الدين، يصبح الاعتراض على قراراتها قابلا للتحول من خلاف سياسي إلى اتهام ديني. وتصبح الجماعة أكثر صعوبة في المساءلة. فإذا انتقدت برنامج حزب سياسي، تستطيع مناقشة أرقامه وسياساته ونتائجه. أما عندما يقدم الحزب نفسه بوصفه ممثلا للعقيدة، فإن نقده قد يتحول إلى اعتداء على المقدس في الوعي الشعبي. وهذا خطر على الدين نفسه قبل أن يكون خطرا على الدولة. لأن الدين عندما يتحول إلى أداة للصراع على السلطة يفقد جزءا من وظيفته الأخلاقية، ويتحول إلى رأسمال سياسي تستخدمه الجماعات لحماية نفوذها.والأمر نفسه ينطبق على القبيلة والطائفة والعرق والقومية.المشكلة ليست في الهوية. المشكلة في تحويل الهوية إلى سيادة سياسية موازية.
هل تمنح الانتخابات شرعية للسلاح؟
هذه من أصعب الأسئلة في المسألة. يمكن لجماعة مسلحة أن تدخل الانتخابات وتحصل على تمثيل شعبي، لكن هل تمنحها الأصوات الانتخابية حق الاحتفاظ بقوة عسكرية مستقلة؟ الجواب يجب أن يكون واضحا: المشاركة في النظام السياسي لا تعني امتلاك الدولة.
الانتخابات تمنح الشرعية للمشاركة في المؤسسات، لكنها لا تلغي الدستور، ولا تمنح أي حزب حق إنشاء سلطة عسكرية موازية. وإلا أصبح بإمكان أي حزب أن يقول لقد انتخبنا، ولذلك أصبح لدينا حق مستقل في استخدام القوة. وهذا يهدم منطق الدولة الديمقراطية من أساسه. الديمقراطية ليست مجرد انتخابات. الديمقراطية هي أيضا قواعد تحدد حدود السلطة.الأغلبية لا تستطيع أن تمنح نفسها حقا فوق الدستور، والحزب لا يستطيع أن يحول أصواته الانتخابية إلى سيادة مستقلة.
لكن ماذا عن المقاومة؟
تصبح المسألة أكثر تعقيدا. لا يمكن تجاهل الظروف التاريخية التي أنتجت قوة حزب الله، ولا يمكن اختزال النقاش في عبارة سلاح غير شرعي دون النظر إلى التهديدات الأمنية التي واجهها لبنان، وإلى ضعف الدولة وقدرتها المحدودة على الدفاع عن أراضيها. لكن الاعتراف بهذه الحقيقة لا يحل المشكلة. لأن السؤال الاستراتيجي يبقى هل يمكن أن تستمر حالة المقاومة خارج الدولة إلى الأبد؟ إذا كانت الإجابة نعم، فنحن أمام نموذج لا توجد فيه دولة صاحبة قرار نهائي. وإذا كانت الإجابة لا، فالسؤال التالي هو: كيف تنتقل القوة من الشرعية الاستثنائية إلى المؤسسة الوطنية؟ ويجب أن يكون التفكير استراتيجيا، لا دعائيا. لا يمكن بناء الدولة بمجرد إصدار قرار بنزع السلاح إذا كانت الدولة نفسها عاجزة عن توفير الأمن والحماية والخدمات. وفي الوقت نفسه، لا يمكن بناء دولة مستقرة إذا بقيت القوة العسكرية خارج المؤسسة الوطنية إلى أجل غير محدد. المعادلة ليست إما الجماعة أو الدولة بل كيف تستعيد الدولة قدرتها بحيث يصبح وجود الجماعة المسلحة خارجها غير ضروري؟
مسؤولية النخب
هناك جانب من الأزمة غالبا ما يتم تجاهله: النخب السياسية. القوة الموازية للدولة لا تعيش دائما بسبب قوتها وحدها؛ أحيانا تعيش لأن السياسيين يحتاجون إليها.النخب قد تستخدم الطائفة للحصول على الأصوات، والقبيلة للحصول على الولاء، والجماعة المسلحة لحماية النفوذ، والدين لتبرير السلطة. ثم تتحدث بعد ذلك عن بناء الدولة. هذه ليست دولة في طريقها إلى الديمقراطية، وإنما نظام سياسي يعيد إنتاج ضعفه النخبة التي تقبل بقوة موازية لأنها تخدم مصالحها اليوم، ستجد نفسها عاجزة أمامها غدا. والسياسي الذي يستخدم الجماعة لإضعاف خصمه يكتشف لاحقا أن الجماعة نفسها أصبحت أقوى من اللعبة السياسية التي كان يديرها.
لهذا فإن بناء الدولة يحتاج إلى إصلاح النخب قبل إصلاح المؤسسات. ومسؤولية المجتمع؟ المجتمع ليس بريئا تماما. الدولة لا تُبنى بالقوانين وحدها. إذا كان المواطن يرى نفسه أولا بوصفه طائفيا أو قبليا أو دينيا، ثم مواطنا، فإن الدولة ستظل ضعيفة مهما كان دستورها جيدا. عندما يكون الولاء للجماعة أقوى من الولاء للقانون، تصبح الدولة مجرد مساحة جغرافية تتصارع داخلها جماعات متعددة. ولهذا فإن بناء الدولة هو أيضا بناء مواطنة سياسية. المواطن لا يحتاج إلى التخلي عن دينه أو قبيلته أو ثقافته. لكنه يحتاج إلى قبول قاعدة واحدة أن هويته لا تمنحه حقوقا فوق حقوق الآخرين، وأن جماعته لا تمنحها سلطة فوق الدستور من تعدد الولاءات إلى تعدد السيادات
المشكلة تبدأ بالولاء ثم تتحول إلى نفوذ ثم إلى مؤسسات ثم إلى قوة ثم تتحول القوة إلى شرعية ثم تصبح الشرعية مبررا لامتلاك قوة جديدة. وهكذا تتكون دائرة مغلقة ضعف الدولة ينتج الجماعة القوية، والجماعة القوية تزيد ضعف الدولة، وضعف الدولة يمنح الجماعة شرعية أكبر. وهذه أخطر نقطة في بناء الدولة. لأن الدولة لا تفقد سلطتها في لحظة واحدة إنها تفقدها بالتدريج تبدأ بتنازل صغير، ثم استثناء أمني، ثم تسوية سياسية، ثم اعتراف بالأمر الواقع، ثم تصبح الاستثناءات جزءا من النظام.
وبذلك يصبح السؤال ليس: كيف نعيد بناء الدولة؟ بل كيف نعيد الدولة إلى المجال الذي خرجت منه؟ الدولة لا تحتاج إلى جماعة تحميها من الدولة يمكن للدولة أن تتعايش مع أحزاب قوية، ونقابات قوية، ومؤسسات دينية قوية، ومجتمع مدني قوي. لكنها لا تستطيع أن تتعايش طويلا مع قوة مسلحة مستقلة تمتلك قرارها الخاص ثم تظل محافظة في الوقت نفسه على مفهوم السيادة الكاملة. الدولة القوية ليست الدولة التي تسحق المجتمع. الدولة القوية هي الدولة التي تجعل القانون أقوى من الجميع وهذا فرق جوهري فاحتكار القوة لا يعني احتكار الحقيقة، ولا يعني الاستبداد، ولا يعني أن الدولة فوق القانون. على العكس، الدولة الديمقراطية هي التي تجعل القوة نفسها خاضعة للقانون والدستور والرقابة والمساءلة. يجب ألا نخلط بين «قوة الدولة وقوة السلطة. السلطة يمكن أن تكون مستبدة وقوية. لكن الدولة القوية هي التي تكون مؤسساتها قادرة على الاستمرار حتى عندما يتغير الحاكم.
ما البديل؟
الحل ليس حربا جديدة بين الدولة والجماعة.الحل هو إعادة بناء الدولة نفسها. وهذا يتطلب خمسة شروط أساسية:
أولا، احتكار الدولة للقرار العسكري والأمني.
ثانيا، مؤسسات سياسية قادرة على إنتاج شرعية تتجاوز الطائفة والقبيلة والجماعة. ثالثا، جيش وطني ومؤسسات أمنية تعمل وفق القانون وليس وفق الولاءات السياسية. رابعا، دولة قادرة على تقديم الأمن والخدمات والعدالة، لأن المواطن لن يتخلى عن البديل إذا لم تقدم له الدولة شيئا بديلا.
خامسا، دستور لا يكون مجرد وثيقة قانونية، بل قاعدة سياسية يتساوى أمامها الجميع. والدستور الذي لا تستطيع الدولة تطبيقه ليس دستورا حاكما، وإنما إعلان سياسي.
السؤال الأخير في النهاية، لا ينبغي أن يكون السؤال هل حزب الله قوي؟
السؤال الحقيقي هو لماذا أصبحت قوة جماعة مسلحة جزءا من معادلة الدولة؟ ولا ينبغي أن نسأل فقط كيف نضعف الجماعة؟ بل كيف نبني دولة لا تحتاج إلى جماعة مسلحة كي تحميها، ولا تحتاج الجماعة إلى أن تكون أقوى منها كي تحمي جمهورها؟ هذه هي المعركة الحقيقية في لبنان، وهي ليست لبنانية فقط. إنها معركة الدولة الحديثة في مجتمعات ما زالت تتنازعها الطائفة والقبيلة والدين والحزب والسلاح.
فالدولة لا تبدأ من القصر الجمهوري، ولا من البرلمان، ولا من رفع العلم. الدولة تبدأ من قاعدة سياسية بسيطة لكنها صعبة التطبيق لا توجد جماعة فوق الدولة، ولا سلطة فوق الدستور، ولا سلاح فوق القانون. وحين تصبح الجماعة أقوى من الدولة، لا تكون المشكلة أن الجماعة أصبحت قوية فقط؛ بل أن الدولة سمحت لنفسها بأن تصبح أضعف من أن تكون دولة.
* تم النشر بتاريخ 29 آب 2026 على صفحة الفايسبوك الخاصة بالكاتب
