زكـي طـه
بيروت 4 شباط 2026 ـ بيروت الحرية
قبل عام وخلافاً لموقع رئاسة الجمهورية حيث كان اسم العماد جوزف عون مطروحاً كمرشح انقاذي في مواجهة مرشحي احزاب الطوائف وتياراتها المعروفين، لم يكن اسم نواف سلام مطروحاً لرئاسة الحكومة في بازار الترشيحات المتداولة بين الكتل النيابية. ولذلك بدا طرح اسمه لحظة بدء استشارات رئيس الجمهورية مع الكتل النيابية مفاجئا لها ولمرجعياتها الحزبية، التي تعاملت مع اقتراح تكليفه بديلاً عن المرشحين المقترحين من قبلهم، وكأنه امتداد لسياق معركة الرئاسة الاولى والخضوع الاضطراري لأحكامها.
صحيح أن بيان التكليف تقاطع إلى حد كبيرمع مضمون خطاب القسم الرئاسي، لكن استشارات تشكيل الحكومة مع الكتل النيابية، واستجابة الرئيس المكلف لشروط اكثريتها تسببت بعسر ولادة التشكيلة الوزارية، وكرست صيغة المشاركة وتقاسم الوزارات فيها وفق آلية المحاصصة الطائفية والفئوية، واكدتها لاحقاً مصاعب التوافق على البيان الوزاري لنيل الثقة. ونتج عن ذلك هدر قسط مهم من الرصيد الايجابي الذي رافق انجاز استحقاقي انتخابات رئاسة الجمهورية والتكليف بتشكيل الحكومة.
مسار حكومي عسير
تعددت الامتحانات العسيرة التي خاضتها الحكومة ورئيسها، بعد منحها الثقة من الكتل النيابية، من مواقعها الفئوية وتبعا لرؤاها ومصالحها المتناقضة. وعليه بدت مسيرة عمل الحكومة واجتماعاتها حلبة مستدامة للصراعات بين مكوناتها تبعاً لبنود جداول اعمالها، التي تداخلت فيها مصالحها الفئوية مع عوامل الانقسام الاهلي، وتشابكت مع ضغوط الخارج وطلباته وشروط الدعم المعلنة على أكثر من صعيد. كما حول مختلف قضايا وأوضاع البلد التي ظللها جميعاً شعار الانقاذ وإعادة بناء الدولة. بدءاً من تنظيم العلاقات بين اركان وقوى السلطة ومؤسساتها، إلى معالجة شؤون الاصلاح الاداري والمالي وملفات التعيينات، مروراً بمواجهة قضية السلاح والمفاوضات مع العدو، وصولاً إلى إدارة العلاقات مع الخارج القريب والبعيد.
وعليه تعددت المعارك وتبدلت المواقف واصطفافات القوى تبعاً للملفات ومحطات وضعها على طاولة البحث، واختلفت ردود الفعل وتكاثرت خطابات التشكيك. لكن الاخطر تمثل بتصاعد وتيرة السجالات والتهديدات، وتبادل تهم التخوين بين القوى المشاركة في الحكومة. الامر الذي ساهم في تزخيم الانقسامات الأهلية على نحو بدت معه الحرب الأهلية شبحاً مقيماً، في موازاة وقوع البلد تحت السيطرة الاسرائيلية العسكرية الجوية والامنية، وما يقع في امتدادها من عمليات وغارات واغتيالات وتهديدات يومية، بالتزامن مع الضغوط الخارجية في صيغة طلبات واملاءات، وشروط على الصعيدين السياسي والأمني حيال ملفات الحرب ورفض اسرائيل الانسحاب من المواقع المحتلة، كما حول تنفيذ حصرية السلاح وبسط سلطة الدولة والجيش، كما في ميادين الاصلاح الاداري والمالي وقضايا النهوض الاقتصادي والاعمار.
محطة إقرار الموازنة
لسنا بصدد استعادة ما كان وما جرى طوال عام، والأبرز فيها ملفات حصر السلاح وقضايا الاقتصاد والتعيينات والاصلاح القضائي والإداري، وصولاً إلى معالجة الوضع المالي للخزينة، وملفات الهدر والفساد المالي وموقع مصرف لبنان، وهي التي وردت تحت عناوين السرية المصرفية، وهيكلة القطاع المصرفي وتوزيع الخسائر أو ما سمي بالفجوة المالية. كما وأننا لسنا بوارد الاستهانة بما أُنجز في ظل التحديات والصعوبات التي واجهت العهد ورئيس الحكومة المحاصرين من احزاب وتيارات الطوائف المشاركة في السلطة واصحاب المصارف، في موازاة مواسم تصاعد ضغوط الخارج بالتوازي مع تواصل العدوان الاسرائيلي وتهديداته وشروطه بدعم اميركي صريح ومعلن.
لكننا بصد التوقف عند محطة أداء الطبقة السياسية، والكتل النيابية في التعامل مع بند الموازنة واقرارها في المجلس النيابي. والسبب أن إقرار الموازنة شكل اختباراً سياسياً عسيراً للوضع الحكومي قبل أن يكون بنداً مالياً. خصوصا وان جلسات المجلس النيابي لمناقشتها واقرارها كانت بمثابة امتحان للتضامن الحكومي وحصانة رئيسها في آن. لم يتعامل معظم الوزراء مع مشروع الموازنة باعتباره صادر عن حكومة هم أعضاء فيها، وهم الذين التزموا توجهيات مرجعياتهم الحزبية، التي وزعت الادوار والمداخلات على النواب التابعين لها. وقد عكست مداخلات هؤلاء مواقف معارضة معلنة للحكومة حول مختلف القضايا التي تعاملت معها، من مدخل الموازنة. وتراوح أداء الكتل النيابية بين محاصرة الحكومة لإخضاعها والتحكم بقرارها ومن يريد اسقاطها؟
بين الخطأ والفشل
وعليه ظهر رئيس الحكومة خلال جلسات المجلس النيابي، محاصراً من القوى التي يتشارك معها شعارات السيادة والاصلاح ونزع السلاح. وهي القوى التي قررت استغلال محطة مناقشة الموازنة للضغط على الرئيس سلام بدلاً عن دعمه، وتحصين موقعه في مواجهة من يكيل له اتهامات الخضوع لاملاءات الخارج وصولاً إلى تخوينه. فبين تصويت القوات ضد الموازنة، وامتناع الكتائب، واعتراضات دُعاة السيادة والاصلاح والتغيير من النواب، وبصرف النظر عن الحيثيات والتبريرات، بدا الأمر وكأنه رفع للغطاء السياسي عن رئيس الحكومة أمام المجلس النيابي، الذي تُرك وحيداً في مواجهة خصومه، أولاً على صعيد ملف السلاح في ظل الاشتباك المفتوح مع حزب الله. وثانياً في ملفات الاصلاح الاقتصادي والمالي وخاصة قانون الفجوة المالية وتوزيع الخسائر، الامر الذي شكل دعماً صريحاً للمصارف واصحاب النفوذ المالي، وتغطية لمعركتهم المفتوحة مع رئيس الحكومة لمنع إقرار هذا القانون، تمهيداً لوضع اليد على الذهب واملاك الدولة.
وفي هذا السياق يكثر حضور الاسئلة: هل تحوّل نواف سلام عبئاً يجب الخلاص منه؟ أم أنه أخطاء أو تجاوز الخطوط الحمر ويجب وضع حد له؟ أو هل بلغ مرحلة الفشل في معالجة ملفات الانهيار الاقتصادي ومعالجة مطالب الموظفين والمتقاعدين ودق باب المساءلة وفتح مسارات مكافحة الفساد. والدافع لهده التساؤلات مرده أن من وفّر الغطاء لتمرير الموازنة هم خصوم رئيس الحكومة، من القوى التي تكيل له الاتهامات ولا ترفع شعارات إعادة بناء الدولة، والممثلة بالثنائي الشيعي.
حكومة معلقة
ما جرى في جلسات المجلس النيابي الثلاث، لم يكن تفصيلاً في السياسة. يعني ذلك أن ما بعد الموازنة ربما لن يكون كما قبلها. من يحمي الحكومة من السقوط، وما هو دور الخارج، وما هي عوامل بقاءها، وكيف يمكن لرئيسها مواجهة ضغوط الداخل والخارج في آن. وهل يشكل البقاء في السلطة بأي ثمن مصدر حصانة له إذا كان خصومه هم قوة انقاذ حكومته من السقوط، وحلفاؤه الذين يرفعون شعارات الاصلاح هم أبطال محاصرته.
حدث ذلك فيما البلد يواجه كما هائلا من التحديات المتنقلة. بين تصاعد وتوسع حركة المطالبة بتصحيح الرواتب والاجور في ظل الانهيار المالي. مروراً باستحقاق الانتخابات النيابية المعلقة على احتمالات التأجيل التقني بسبب خلافات قوى السلطة على صيغة مشاركة المغتربين، وقرار الخارج بحصولها أو تأجيلها. في ظل السيطرة الاسرائيلية وتصعيد الاعتداءات والغارات وشروط التفاوض برعاية اميركي معلنة وصريحة. إلى حشود البوارج الحربية وحاملات الطائرات والصواريخ الاميركية بالتوازي مع قرع طبول الحرب الاميركية ـ الاسرائيلية على ايران، في موازاة تسارع مسارات التفاوض العلني والسري. البلد والحكومة نحو ماذا وإلى أين؟ اسئلة معلقة، أما الأجوبة ففي علم الغيب!
