سياسة

التحضير للانتخابات النيابية: الحشود الطائفية تستعيد لُحمتها وغرائزها

محمد قدوح

الجنوب 18 تشرين الثاني 2025 ـ بيروت الحرية

دأب امراء الطوائف في لبنان على تصعيد الصراعات فيما بينهم قبل كل استحقاق انتخابي، الغاية منه شد العصب الطائفي بهدف زيادة الحجم السياسي لكل منهم، واقتطاع بعض من حصة خصومه السياسيين. هذا النوع من الصراعات ليس امرا طارئأ فى الحياة السياسية اللبنانية، باعتباره وسيلة لبناء وتثبيت الزعامات السياسية، والتي يجري توارثها منذ ما قبل الاستقلال، لأن الجماعات الطائفية لها تاريخها الذي يمتد الى قرون. في الماضي رفضت أن تندمج ضمن مجتمع متعدد الطوائف والمذاهب، فقد كان لكل منها على الدوام مشاريعها الخاصة. نجحت حينا بتحقيقها وفشلت احيانا أخري.

لقد تشكل الكيان اللبناني بموجب اعلان خارجي، جري التوافق عليه لاحقأ بين المجموعات الطائفية ما قاد إلى تقاسم السلطة في ما بينهم، واحتفظ قادتها لأنفسهم القيام بدور الوسيط بين الدولة ومواطنيها، مؤكدين على استمرارالأخيرين رعايا لهم، مما يعني أن لبنان الدولة لم تتشكل كالدول الحديثة بموجب عقد اجتماعي بين الدولة والأفراد، بحيث يصبحون مواطنين في دولة تربطهم علاقة مباشرة بها، لهم حقوقهم وعليهم واجبات. وهم متساوون امام القانون وتسود العدالة فيما بينهم.

الصراع الحالي بين الطوائف هو صراع وجود بالنسبة للبعض منها، وصراع من اجل استعادة دور كان لها يوما بالنسبة للبعض الآخر، كل منها تريد أن تبنى الدولة التي تريد، وليس الدولة التي تجمع كل اللبنانيين. يجري خوض هذا الصراع من دون قفازات. هذه المرة يُخرج كل منها ما يدور في اللاوعي الجماعي والذاكرة الجماعية لاستثارة عواطف الجماهير، لكي تكون على استعداد لتنفيذ ما يطلب منها عند دق النفير من قبل الزعيم، أو بواسطة اجراس الكنائس ومآذن المساجد اذا أقتضى الأمر ذلك .

ما هو الجمهور أو الحشد أو القطيعّ: ما أنواعه وحماته وكيف تتم إدارته؟

يعرف الحشد بأنه مجموعة كبيرة من الناس يجتمعون معا لتحقيق هدف معين. وقد صنف (هريرت بلومر) الحشود بناء على عرفها، فميز بين اربع انواع من الحشود هي: العفوية، التقليدية، التغييرية، وأخيرا الحشود التمثيلية.

أما (غوستاف لوبون) فقد صنفها كما يلي: الحشود السياسية، الحشود الدينية، الحشود الطارئة، والحشود الاجتماعية. وتقاطعت الآراء على اعتبار أن الحشود التى تحمل عقائد ايمانية، ويجمعها عوامل العرق والتقاليد الموروثة التي تشكل ثقافة خاصة بهم. وهي تدوم قرونا متماسكة ومتجانسة، ويمكن استحضار لحمتها اذا تعرضت لخطر يهدد وجودها وثقافتها.

تعتبر الحشود الطائفية في لبنان من نوع مدمج بين الديني والسياسي، يكتسب الحشد حقه في  الاستمرارية عبر التاريخ ، متماسكا ومتجانسا، قد تتراخي لحمتها أو تشتد تبعا للظروف التى تمر بها . تحكم هذه الحشود وحدة ذهنية وروح جماعية توجه جميع الأفراد نحو نفس الاتجاه ، فيؤدي ذلك الى المساواة الاجتماعية والعاطفية والفكرية، الذى يؤدي بدوره الى تحديد الارادة الشخصية للأفراد، بسبب هيمنة اللاوعي الجمعي على الوعي الفردي، ما يجعل الحشد قابلا للتأئر الشديد بالعواطف والأفكار البسيطة، فيشعر الحشد باكتساب شخصية جماعية، تشعر بقوة استثنائية تؤدى به الى سلوك اندفاعي، تسيطر عليه مشاعر قوية مثل التعصب والاستبداد والارهاب. عندئذ يتميز الحشد بخصائص نفسية عديدة منها، تلاشي الشخصية الواعية وهيمنة الشخصية اللاواعية، التى توجه الجميع بواسطة التحريض وعدوى العواطف والانكار وتحويل الأفكار المحرَض عليها إلى فعل مباشر. هكذا يصبح الفرد انسانا آليا تعجز ارادتة عن قيادته بفعل تشتت انتباه بعيدا عن الذات ، فتصبح قيمه ومعاييره الداخلية أقل تأثيرا على سلوكه الذي يتصف باللاعقلانية.

وتترافق حركة الحشد مع ظهور أنواع من الاضطرابات النفسية التى تصيب الأفراد مثل وهم العظمة، والشعور بالاضطهاد، حيث يشعر الأفراد انهم ملاحقون يعيشون على وجود مؤامرة تستهدفهم، ويستمرون بالاعتقاد بصحة أوهامهم مها كانت الأدلة المعاكسة جلية وواضحة، اضافة إلى تفسيرات عدائية لحوادث مادية تحصل معهم، ويقومون بالرد عليها فورا. ويؤدي هذا المسار الى تقمص اوهامهم وحمل الضغينة للآخرين لفترة طويلة.

اطلاق صافرة الانطلاق

يبدو واضحا من التصريحات الصادرة عن امراء واحزاب الطوائف، أن صافرة الانطلاق قد انطلقت للتحضير للانتخابات النيابية. أما التعليقات والمداخلات على وسائل التواصل الاجتماعي، فيجري خلال نصوصها استحضار الموروث الصراعي بين الطوائف، بكل تلاوينه وعلاقاته مع الخارج، بدءا من حوادث العام 1860، مرورا بما يقال إنه العرض الذي تقدم به الرئيس اللبناني الاسبق اميل اده عام 1936 المتعلق بتسليم منطقة جنوب الليطاني للحركة الصهيونية، وصولا إلى الحرب الاهلية ومواقف الأطراف اللبنانية من الوجود الفلسطينى والسوري.

لقد حصل شد عصب الجمهور ويجري توزيع المهام والأدوار، يشارك في هذه العملية كل من المرجعيات السياسية والدينية كل من موقعة. الحشد يستعيد لحمتة ويتحضر لتنفيذ الخطوات المطلوبة منه بهدوء، إذ لم يحن الوقت بعد للاندفاعات الصاخبة. وفي هذه المرحلة تصبح اطلالات الزعيم ضرورية من وقت لآخر للمحافظة على استمرار شد لحمة الحشد وتصعيد استعداداته .

الزعيم وحدة يقود الحشد فهو القوي وذو الهيبة والاحترام، يتميع بالجاذبية ما يقوله يغزو عقل الحشد سريعا فيحوله هذا الحشد الى حركة وعمل. ويندفع بة الى حدود التضحية بالذات، ولا بأس اذا ترافق ذلك مع تكليف شرعي للناس يتأمن له الغطاء الديني الجاهز. الواضح من كل ما سبق، أن انتخابات عام 2026 ستكون مناسبة لاستعمال جميع انواع الاسلحة المعروفة وغير المعروفة بين الطوائف: المال، التزوير، وربما الاشكالات والمشاكل وصراعات الشوارع والإشاعات وغيرها. اما بالنسبة للنتائج فمن المرجح أن تكون اسوأ مما سبقها، لأنه لن يكون بمقدور المستقلين والناشطين السياسيين الذي هم خارج الاصطفاف الطائفي، ممارسة حريتهم وقناعاتهم من دون ضغوط اجتماعية وغير