زكـي طـه
بيروت 15 تشرين الثاني 2025 ـ بيروت الحرية
يعيش الشرق الأوسط واحدة من أكثر لحظاته التاريخية كثافة وتعقيداً منذ نهاية الحرب الباردة، في ظل انتقال الإدارة الأميركية من مرحلة إدارة الصراعات إلى مرحلة إعادة هندسة البنى السياسية والمجتمعية في المنطقة، مستخدمة الحرب المفتوحة على غزة كمحور مركزي لإعادة توزيع الأدوار والوظائف. فالهيمنة الأميركية لم تعد قائمة على القوة العسكرية فحسب، بل باتت تتكامل مع السيطرة الرقمية والضبط الاقتصادي وتفكيك الدول الهشة، بما يسمح بوضع المنطقة تحت نظام ردع وسيطرة طويلة الأمد يخدم التوجهات الاستراتيجية لواشنطن وتل أبيب.
ويبرز في هذا السياق حدث بالغ الدلالة، هو زيارة أحمد الشرع إلى واشنطن ولقاؤه بالرئيس الأميركي، في خطوة تعكس محاولة متجددة لتثبيت أدوار محلية داخل سوريا تُسهِم في إعادة تشكيل الوضع السوري وفق رؤية تتقاطع مع المصالح الأميركية ـ الإسرائيلية. فهذه الزيارة لم تكن بروتوكولية، بل تأتي في إطار مسعى واضح لإعادة توزيع الأدوار في الداخل السوري وتوظيف شخصيات محلية ضمن مشروع تفكيك وتركيب جديد يمنع عودة الدولة السورية كفاعل مستقل، ويُبقي البلاد ساحة ضغط دائمة على إيران وروسيا، وعلى “القوى المقاومة” في الإقليم.
ضمن هذه المعادلة، تتحرك الحرب المفتوحة كرافعة لإطلاق مشروع أوسع يطال سوريا ولبنان وإيران وغزة، ويعيد طرح ما يسمى “حل الدولتين” باعتباره إطاراً سياسياً وظيفياً أكثر منه حلاً فعلياً.
ارتدادات الحرب المفتوحة في غزة
أعادت الحرب الإسرائيلية على غزة خلط الأوراق الإقليمية بطريقة لم تشهدها المنطقة منذ عقود، إذ لم تعد المواجهة محصورة بجبهة واحدة، بل تمددت إلى الساحات المحيطة التي تعيش أصلاً حالة هشاشة عميقة. وتبرز الساحة السورية بوصفها النموذج الأوضح لهذا التداخل، حيث تتحول البلاد من جديد إلى مسرح تنازع بين روسيا المنهمكة في أوكرانيا، والولايات المتحدة التي تسعى إلى تثبيت وجودها في الشرق السوري والتحكم بموارد الطاقة، وتركيا التي تحاول تثبيت دورها ومواقعها في سوريا على رافعة الدعم الذي قدمته للفصائل المسلحة في معاركها مع نظام الاسد، في موازاة معركتها المفتوحة مع المعارضة الكردية وقواتها المسلحة المرعية والمدعومة اميركياً في الشمال السوري. وصولاً إلى إسرائيل التي تستثمر في الانقسام الداخلي السوري لاضعاف السلطة الجديدة عبر ضرباتها المتكررة. وتأتي زيارة الشرع إلى واشنطن في قلب هذه اللحظة، بوصفها خطوة لإعادة صياغة “وكلاء الداخل” بما يتوافق مع المشروع الأميركي في سوريا، الذي يقوم على الإبقاء على البلاد في حالة تفكك وظيفي، يتيح توظيفها كورقة ضغط دائمة على المحور الإيراني وكمجال استراتيجي مفتوح أمام الأطراف المتصارعة.
في المقابل يقف لبنان، على حافة انهيار شامل بين أزمة اقتصادية غير مسبوقة وتآكل مؤسسات الدولة، فيما تلعب الجبهة الجنوبية دور المسرح البديل أو الموازي لحرب غزة، حيث تُستخدم الأرض اللبنانية كجزء من معادلة ردع متبادلة بين حزب الله وإسرائيل. هذه الوضعية تجعل لبنان عضواً كاملاً في مشهد الحرب المفتوحة يتلقى نتائجها التدميرية، من دون أن يمتلك القدرة على إدارة تبعاتها، في ظل انقسام داخلي حول ما تبقى من سلاح لا يصلح لتجديد مقاومة ضد الاحتلال القائم. وهو السلاح الذي يرفض حزب الله تسليمه بالرغم من عجزه عن استخدامه في مواجهة الاعتداءات الاسرائيلية اليومية التي ينفذها العدو، بالتزامن مع انهيار اقتصادي يعمّق هشاشة المجتمع والدولة على حد سواء.
وتترافق هذه التطورات مع إعادة اختبار جديدة لقدرة إيران على الحفاظ على معادلة الردع، في ظل تهديدات عسكرية وامنية اميركية واسرائيلية مستمرة، تتزامن مع ضغوط اقتصادية داخلية تجعل قدرتها على خوض مواجهة واسعة موضع نقاش. ومع ذلك، تواصل طهران التشبث بشبكتها الإقليمية التي تعتبرها مكوّناً بنيوياً في أمنها القومي، من حزب الله في لبنان إلى فصائل المقاومة في غزة والحشد الشعبي في العراق وأنصار الحوثيين في اليمن، ما يجعل الحرب المفتوحة مفترقاً حساساً لقدرة إيران على الحفاظ على ميزان الردع من دون الانجرار إلى استنزاف طويل الأمد.
أما غزة، فتقدّم النموذج الأكثر تطرفاً في هذا المشروع الاميركي الجديد لصياغة الشرق الاوسط في ضوء استراتيجية الفوضى الخلاقة التي لم تزل تتوالى فصولاً من خلال النزاعات التفكيكية. فالتدمير الواسع للبنية الاجتماعية والعمرانية لا ينفصل عن محاولة صياغة واقع فلسطيني جديد، سواء عبر فرض إدارة دولية أو إقليمية، أو عبر إعادة إنتاج السلطة الفلسطينية وفق شروط تجردها من قدرتها التمثيلية. وللمفارقة، لقد تحول قطاع غزة إلى مختبر يجمع بين القوة العسكرية المطلقة والرقابة الرقمية الشاملة وإنتاج سرديات سياسية عبر الفضاء الإعلامي، في محاولة لإعادة تعريف الصراع من جذوره.
الهيمنة الرقمية ساحة حرب وأداة سيطرة
من أخطر التحولات التي تكشفها هذه الحرب أنّ تكنولوجيا الاتصالات لم تعد مجرد وسيلة تواصل، بل أصبحت جزءاً مكملاً للميدان العسكري. فالسيطرة على الاتصالات، وعمليات الاختراق، وجمع البيانات، وصناعة الرأي العام، باتت أدوات لا تقل فاعلية عن الصواريخ والطائرات الحربية. وتستخدم إسرائيل والولايات المتحدة قدرات مراقبة متقدمة تكفي لشلّ شبكات المقاومة وإبقاء الفضاء الرقمي تحت السيطرة. وفي المقابل، تحاول فصائل المقاومة تطوير أدوات بديلة قائمة على الاتصالات المشفرة وشبكات الاتصال الميدانية، لكن الفجوة لا تزال كبيرة في موازين القوة.
لا تستهدف الهيمنة الرقمية البعد العسكري فقط، بل تمتد إلى تشكيل الوعي العام وتوجيه الرأي العالمي، بما يجعل السيطرة على السردية جزءاً من معركة إعادة تشكيل المنطقة. وهكذا تصبح الحرب السيبرانية امتداداً طبيعياً للحرب الميدانية، لا مجرد ساحة موازية.
إعادة ترتيب اللاعبين المحليين
إن المسار الذي يتشكل اليوم يقوم على إعادة توزيع أدوار اللاعبين المحليين وفق معايير أميركية ـ إسرائيلية تراعي أولويات الأمن الإقليمي الجديد. ففي سوريا، يتجسد ذلك في محاولة واشنطن إحياء شبكات محلية قادرة على ضبط الإقليم الشرقي ومنع تمدد النفوذ الإيراني، كما ظهر جلياً في استقبال الشرع في البيت الأبيض. وفي فلسطين، يبرز الاتجاه نفسه عبر إعادة تدوير وتأهيل السلطة الفلسطينية لتلائم متطلبات “اليوم التالي لغزة”، ومن خلال محاولة خلق واجهات إدارية جديدة تحت سقف السيطرة الأمنية الإسرائيلية بإدارة اميركية صريحة، غايتها تحويل الجزء الاكبر من قطاع غزة محمية اقتصادية اميركية.
وفي لبنان، تتصاعد ضغوط الولايات المتحدة بشأن نزع سلاح حزب الله وتحميل الدولة مسؤولية عدم تنفيذ قراراتها على هذا الصعيد، على النحو الذي يعطي اسرائيل حق تصعيد عملياتها العدوانية وتجديد الحرب على لبنان. ولا يختلف الامر بشأن الاصلاحات المالية سواء تعلق الامر بالقطاع المصرفي أو بتصعيد الحصار والعقوبات المالية ضد حزب الله. والهدف إعادة ترتيب التوازنات الداخلية بما يقود إلى فرض معادلات سياسية واقتصادية وأمنية تستجيب للطلبات الاميركية بشأن المفاوضات مع اسرائيل وانتظام العلاقة معها وفق شروطها، التي تتوافق مع أهداف مشروع دمجها في المنظومة العربية، سواء عبر اتفاقيات التطبيع، أو من خلال مشاريع اقتصادية مشتركة تتحول تدريجياً إلى أدوات لربط الدول العربية بشبكة مصالح تقودها واشنطن وتل أبيب.
وظيفة مختلفة لشعار حل الدولتين
يعود الحديث عن حل الدولتين اليوم ليس كمدخل لحل الصراع، بل كغطاء سياسي لإعادة هندسة البنية الفلسطينية والإقليمية. فإسرائيل ترفض صراحة قيام دولة ذات سيادة، وتطرح بدائل أمنية وإدارية تحتفظ فيها بالهيمنة الفعلية على الأرض. وفي المقابل، تسعى بعض الدول العربية إلى استخدام الشعار لتخفيف الضغوط الداخلية، أو لتبرير خطوات التطبيع، فيما تعيش السلطة الفلسطينية أسوأ مراحل تراجع شرعيتها. وهكذا يتحول حل الدولتين إلى وظيفة سياسية أكثر منه مشروعاً حقيقياً للتسوية.
أي مستقبل وأي تحديات؟
اذن يدخل الشرق الأوسط مرحلة إعادة تشكل قسرية، تتداخل فيها الحرب العسكرية مع الهيمنة الرقمية والسياسات الاقتصادية المفروضة من الخارج، في سياق مشروع أميركي ـ إسرائيلي يسعى إلى تثبيت شرق أوسط جديد قائم على تفكيك بنى ومؤسسات الدول الهشة وتطويع القوى المحلية لتسهيل دمج إسرائيل في البنية الإقليمية. أمام هذا المشهد، يبدو التحدي الأكبر لشعوب المنطقة في قدرتها على إنتاج مشروع بديل يعيد بناء الدولة الوطنية، ويتجاوز الانقسامات، ويؤسس لنموذج اقتصادي واجتماعي يضع المصلحة العامة فوق إملاءات الخارج. ومن دون ذلك، ستتسع دوائر التفكك، وسيبقى أي حديث عن تسوية ـ بما في ذلك حل الدولتين الذي يتحول سريعاً في ظل استعصاء الانقسام الفلسطيني، مجرد غطاء لإعادة إنتاج الهيمنة بأشكال جديدة.
