مجتمع

التجمع النسائي الديمقراطي ينظم طاولة مستديرة في البقاع: العنف الإلكتروني تعبير عن منظومة وليس حوادث متفرقة

أقام التجمع النسائي الديمقراطي اللبناني طاولة مستديرة ضمن برنامج “تعزيز الحماية والقدرات من أجل التغيير السلوكي للشباب والنساء والرجال في البقاع”، وذلك يوم الجمعة بتاريخ 28 تشرين الثاني 2025 في مجمع الخيال، بهدف تسليط الضوء على واقع العنف الإلكتروني الذي تتعرض له الفتيات والفتيان والنساء. توصلا إلى طرح الآليات المعتمدة من قبل الجهات المعنية للتعامل مع هذه الظاهرة المتفاقمة.

حضر الطاولة رؤساء بلديات ومديرو مدارس في مراحل التعليم الأساسي والثانوي ومخاتير وفعاليات نسائية والجهة المنظمة والداعمة. وتوصل الحضور في الختام إلى اصدار جملة توصيات موجهة لوزارة التربية والمجتمع الأهلي والمدني على حد سواء، بهدف مواجهة هذه الظاهرة المتفشية في المجتمع اللبناني وغيره من المجتمعات.

دياب وحشيمي وعراجي: أدوات جديدة لعنف قديم

استُهل اللقاء بكلمة مديرة مشروع ICSP، السيدة سماح دياب، التي أكدت أهمية هذه المشاريع في تعزيز السلوك المجتمعي الوقائي، معتبرة أن بناء الوعي الرقمي وتمكين الفئات الأكثر عرضة للابتزاز يشكلان حجر الأساس لحماية المجتمعات ومنع الانهيارات الأخلاقية.

من جهته، ألقى النائب بلال الحشيمي كلمة أكد فيها أن انعقاد الطاولة المستديرة في البقاع يأتي في لحظة يمر فيها لبنان كله بـ” طاولة ألم وطني” نتيجة الأزمات المتراكمة.

وانتقد الحشيمي لجوء بعض الحملات إلى تقديم المرأة في مشاهد صادمة، مؤكدا أن :”المرأة اللبنانية نزحت من بيتها ولم تنزح من عزتها، وواجهت الحرب ولم تدفن كرامتها.”

وأشار إلى أن حماية المرأة والشباب في الفضاء الرقمي مسؤولية تشريعية ومؤسساتية تتطلب قوانين قوية ووعياً مجتمعياً وتحصيناً معرفياً، داعياً إلى حماية صورة المرأة من الاستغلال أو التوظيف السياسي.

وأضاف:”لسنا هنا للضجيج أو الصدمة، بل للحماية. ولسنا هنا لرفع الشعارات، بل لرفع المعايير. حماية الفتيات والشباب تبدأ بالمعرفة والقانون والدولة الضامنة.”

وعرض المحامي محمد عراجي من خلال مداخلة قانونية الإطار القانوني الواجب اعتماده لتقديم الشكاوى المتعلّقة بالابتزاز والعنف الإلكتروني، موضحاً الآليات العملية التي تضمن حماية النساء والفتيات وفق القوانين اللبنانية. وقدّم شرحاً مفصلاً لمسارات التبليغ والإجراءات التي يجب اتباعها لضمان حقوق الضحايا وسرية الملفات.

مداخلة رئيسة التجمع النسائي

ورسمت رئيسة التجمع النسائي الديمقراطي اللبناني ليلى مروة  من خلال كلمتها حدود المسؤولية المشتركة التي تقع علينا جميعا في مواجهة أحد أكثر أشكال العنف الحديثة خطورة وتأثيراً. وقالت: بصفتي رئيسة التجمع، أستحضر تاريخ مؤسسة وُلدت عام ١٩٧٦ في واحدة من أدقّ لحظات هذا البلد، ونشأت على فكرة بسيطة وعميقة في آن، قوامها أن حقوق النساء ليست مسألة ثانوية تؤجّل، بل قاعدة من قواعد العدالة الاجتماعية والسياسية، وإن أي مجتمع لا يمكن أن ينهض فيما نصفه مُقصى أو مهدد أو مُقيَّد.

وعرضت أنه وعلى مدى عقود، لم نُعرّف أنفسنا كمنظمة خدمات، بل كتيار فكري اجتماعي يعمل على تفكيك جذور التمييز. خضنا معارك تشريعية، بنينا شبكات دعم، وتواجدنا في المدن والقرى اللبنانية كافة، لأننا أدركنا أن العنف ضد المرأة لا يُهزم بقرار واحد، بل بتراكم وعي، وتغيير ثقافة، وإعادة تشكيل البيئة التي تسمح للعنف بالاستمرار.  هذا المسار الطويل شكّل هويتنا، وهو ما يجعلنا نقف اليوم بثقة أمام تحديات معاصرة لا تشبه ما كان قبلها، لكنها تنبع من الأسباب نفسها.

وتابعت: بينما نحن في خضم حملة الستة عشر يوماً لمناهضة العنف القائم على النوع الاجتماعي، نجد أنفسنا أمام فرصة سنوية لا لرفع الشعارات، بل لإعادة تقييم موقعنا في هذه المعركة.  هذه الحملة، التي تربط بين اليوم الدولي للقضاء على العنف ضد المرأة واليوم العالمي لحقوق الإنسان، تذكّرنا أن العنف ليس حادثة، بل منظومة وأن مكافحته تتطلب استجابة تتخطى التوعية العابرة نحو سياسات متكاملة، واستراتيجيات حماية، ومساءلة جادة، هي مناسبة نستخدمها كإطار لتحليل تحوّلات العنف، لا لتكرار ما قيل سابقاً.

وأضافت: اليوم، نتناول أحد أخطر هذه التحوّلات: الابتزاز الإلكتروني، هذا النوع من العنف لا ينبع من الفضاء الرقمي وحده، بل من تفاعل معقّد بين التكنولوجيا والثقافة والقانون. فالابتزاز الإلكتروني ليس مجرد اختراق لخصوصية فتاة، أو تهديد بنشر صورة أو معلومة، بل إعادة إنتاج لعلاقات القوة القديمة بأدوات جديدة، وإعادة تأكيد على أن جسد المرأة وسمعتها ما يزالان، في نظر البعض، مساحة يمكن استخدامها للسيطرة والإخضاع.

عندما ننظر بعمق إلى هذه الظاهرة، نرى أنها تستفيد من ثلاث فجوات متوازية:

  • فجوة رقمية تُضعف قدرة الفتيات على حماية أنفسهن.
  • وفجوة قانونية تجعل المجرم يشعر بأن احتمال محاسبته ضعيف.
  • فجوة اجتماعية تعيد توجيه اللوم نحو الضحية بدل الجاني.

وهذه الأخيرة تحديداً هي ما يجعل الفتيات في المناطق المحافظة أكثر تعرضاً للخطر. فهناك، يصبح الخوف من ردود فعل الأسرة والمجتمع أكبر من الخوف من المبتز نفسه. وهناك أيضاً، تتحول الأعراف إلى أداة ضغط قد تدفع الضحية إلى الصمت التام، أو الاستسلام، أو حتى الانعزال.

وهنا تتضاعف قوة المبتز، لا لأنه أكثر قدرة، بل لأن البيئة حول الضحية أقل أماناً.

إن تحليل هذه الظاهرة بجدية يقودنا إلى خلاصة أساسية مفادها أن الابتزاز الإلكتروني ليس نتيجة ضعف فردي، بل نتيجة ضعف منظومة الحماية الاجتماعية والقانونية. وحين تتوافّر للمبتز بيئة آمنة وللضحية بيئة مهدِّدة، تصبح الجريمة أسهل والتبليغ أصعب.

ولذلك فإن مسؤوليتنا، كمنظمات نسوية ومجتمع مدني ومؤسسات رسمية، ليست فقط ملاحقة الجُناة، بل إصلاح البيئة التي تسمح لهم بالتمدد.

وانطلاقاً من هذا الفهم، يصبح تدخلنا مبنياً على ثلاثة محاور مترابطة لا يمكن الفصل بينها:

  • المحور الأول هو الوقاية، عبر نشر ثقافة رقمية ناضجة، وتقديم أدوات حماية عملية للفتيات ولعائلاتهن، وتجاوز لغة التحذير إلى لغة الفهم والتمكين.
  • المحور الثاني هو الحماية، من خلال مسارات تبليغ آمنة وسرية وسريعة، تتعامل مع الضحية كطرف يحتاج إلى دعم، لا كطرف يجب مساءلته أخلاقياً.
  • أما المحور الثالث فهو المساءلة، وهذا يتطلب قضاءً مُدرَّباً على التعامل مع الأدلة الرقمية، وقوى أمنية مستعدة لتطبيق القانون بجدية، وسياسات عامة تعترف أن العنف الرقمي ليس شأناً ثانوياً، بل جزءاً من أمن المجتمع.

وتابعت القول: إن الفتاة التي تجد نفسها أمام شاشة تُهدَّد عبرها ليست بحاجة لأحكام ولا لأسئلة، بل إلى منظومة تحميها.  الحاجة الأساسية اليوم ليست إلى مزيد من الخوف، بل إلى مزيد من الثقة: ثقة بأن التبليغ آمن، ثقة بأن القانون قادر، وثقة بأن البيئة الاجتماعية لا تعاقبها لأنها ضحية. فلا يمكن أن نطلب من فتاة أن تواجه جريمة رقمية بجرأة، بينما المجتمع يطالها بأحكام قاسية، والأسرة تخشى “العار” أكثر مما تخشى الجريمة نفسها.

وختمت بالتأكيد إننا هنا اليوم لنقول بوضوح: آن الأوان أن ننتقل من التعامل مع الابتزاز الإلكتروني كحادثة إلى التعامل معه كهيكل عنفي متكامل.  آن الأوان أن نتوقف عن معالجة الحالات بصمت ونبدأ ببناء استراتيجية وطنية تُشرك المنظومة القانونية، التربوية، الإعلامية، والاجتماعية في آن واحد.  وآن الأوان أن نُعيد للفضاء الرقمي دوره الطبيعي:فضاء معرفة، تواصل، وفرص، لا فضاء تهديد واستغلال.

لنكن جميعا على أتم الاستعداد لمواجهة هذا النوع من العنف بما يستحقه من جدية، وعلى الإيمان بأن حماية الفتيات ليست تضحية بالعرف أو التقاليد، بل حماية لكرامة المجتمع بأسره.