اقتصاد صحف وآراء

اقتصاد لبنان السياسي بعد عام 1975.. 2/ 2

*نجيب عيسى

3 – النموذج الاقتصادي الجديد مقارنة بالنموذج القديم

يُمكننا إيجاز السمات الرئيسة لنموذج الجمهورية الثانية الاقتصادي في أواخر عام 2018، مقارنة

بالنموذج الذي أخذت به الجمهورية الأولى، على النحو التالي:

أ- لناحية آلية الاشتغال

– بات محرك الاقتصاد في النموذج الجديد هو التدفقات المالية الخارجية التي تغذي قطاعات إنتاج غير قابل للتبادل في الأسواق العالمية؛ بعد أن كان هذا المحرك في النموذج القديم إنتاج الخدمات لحساب الخارج.

– ارتبط هذا التحول من جهة، بغياب الدور الوظيفي الذي كان يؤدّيه لبنان على الصعيد الاقتصادي، وارتبط من جهة أخرى بتحول المنظومة السياسية والاقتصادية الحاكمة إلى منظومة متعددة الرؤوس الطائفية المتضاربة المصالح، وذلك بعد أن كانت برأس طائفي واحد. وفي هذا السياق، ذهب فساد المنظومة الحاكمة في النموذج الجديد، ومصادرتها المال العام إلى مستويات غير مسبوقة.

– بعد أن كان دور مصرف لبنان في الجمهورية الأولى لا يتعدى ممارسة وظيفته باعتباره مسؤولًا عن السياسة النقدية، بات يمارس من خارج قانون النقد والتسليف دورًا محوريًّا في النموذج الاقتصادي الجديد؛ دورًا تمثل من ناحية، في استدراج التدفقات المالية الخارجية (التي وصل حجمها إلى ما يزيد على أربعة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي)، وتمثل من ناحية أخرى في تحكّمه، بطريقة مباشرة وأخرى غير مباشرة، في وجوه استخدام القطاع المصرفي الخاص للأموال التي استقطبها، ثم استحواذه على الحصة الأكبر من البيانات الإحصائية العائدة لمرحلة الجمهورية الأولى.

– سوق العمل وأزمة التشغيل في لبنان: اقتصاد المعرفة كمدخل لاستراتيجية

إن موجودات المصارف التجارية (حوالى 132 مليار دولار أو 53 في المئة من مجموع الموجودات)، واستخدام هذه الأموال على نحو تنقصه الشفافية. وقد تكشفت في ما بعد جوانب الهدر الكبير والفساد في هذا الاستخدام.

– بعد أن كان القطاع المصرفي الخاص التجاري في الجمهورية الأولى يخضع لهيمنة رأس المال الأجنبي، وتذهب موجوداته بشكل رئيس إلى تمويل القطاعات الاقتصادية المحلية والتوظيف في الأسواق العالمية، وبعد أن كان أداؤه يتصف على وجه العموم بالمحافظة لناحية تقيده بأحكام قانون النقد والتسليف، باتت الغلبة في هذا القطاع لرأس المال المحلي. وشهد في الوقت نفسه وافدين لبنانيين جددًا إليه من الخارج ومن الطوائف الأخرى غير المسيحية. وتضخّم كثيرًا حجم موجوداته. وأخذ يرتكب الكثير من المخالفات لأحكام قانون النقد والتسليف، وينحرف عن دوره الرئيس المتمثل في تمويل قطاعات الإنتاج، فباتت له وظيفتان رئيستان: الأولى، تمويل عجز الموازنة المتولد من تضخم الإنفاق الجاري والأخرى تحصيل الأرباح الفاحشة من هذا التمويل وتوزيعها بين المساهمين في رؤوس أموال المصارف وكبار المودعين. هذا في حين أن أقل من 21 في المئة من تسليفاته ذهبت لتمويل القطاعات الاقتصادية، واستأثر القطاع العقاري بمعظم هذه النسبة.

– وفي ما يتعلق برأس المال الخاص غير المصرفي، لاحظنا أن السياسات النقدية والمالية كانت في النموذج القديم تعمل بشكل رئيس في خدمة رأس المال المتركز في قطاع الخدمات (بسبب العلاقات الوثيقة بين أصحاب القرارات الفعلية في الشأنين السياسي والاقتصادي والتجانس الطائفي بينهم). كما لاحظنا أن حاجة الطبقة السياسية للغرف من المال العام مباشرة لتمويل حاجاتها الخاصة كانت قليلة، لأن رأس المال الخاص كان مستعدًّا للقيام مباشرة بما يلزم لهذه الناحية. أما في الجمهورية الثانية، فقد اختلف الأمر؛ فضمور دور الوساطة الاقتصادية لحساب الخارج، إضافة إلى استمرار الرهان على إمكانية العودة للنموذج الاقتصادي القديم وتحول المنظومة الحاكمة إلى منظومة متعددة الرأس الطائفي، جعل السياسات النقديه المالية تعمل في الدرجة الأولى في خدمة المصالح الخاصة لهذه المنظومة. وأصبح رأس المال المصرفي بمثابة العصب الرئيس الذي يشد الأوصال المتنافرة لهذه المنظومة، ما حصر دور رأس المال غير المصرفي في دائرة التكيف مع مندرجات السياسات النقدية والمالية الجديدة. وقد جاء هذا التكيف، من ناحية، على شكل انخفاض واضح في نسبة الاستثمار الخاص من الناتج المحلي الإجمالي، ومن ناحية أخرى على شكل معاناة النموذج الاقتصادي الجديد مما يسمى”المرض الهولندي”،المتمثل في تركز الاستثمارات في قطاعات الإنتاج غير القابل للتبادل على الصعيد الدولي وتهميش إنتاج السلع والخدمات القابلة للتبادل على الصعيد المذكور، لا سيما الصناعة والزراعة.

– أما في ما يتعلق بدور الدولة، بالأحرى دور السلطة السياسية، فقد لاحظنا أنه، بعد أن باتت القرارات السياسية والاقتصادية المهمة تصدر عن قادة الطوائف وليس مباشرة عن الحكومة والبرلمان، لم يبقَ لهذين الأخيرين من دور عمليًّا سوى إخراج الموازنة العامة على نحو تستجيب فيه، من ناحيتي الإيرادات والنفقات، لمصالح المنظومة الحاكمة ككل. لذلك جاء النظام الضريبي أكثر محاباة للأغنياء. ومن أجل تمويل إنفاق عام جارٍ يرتفع باستمرار، ولا يشكل الشق الاستثماري منه سوى نسبة زهيدة، بات ثمة حاجة دائمة إلى الاستدانة.

ب- لناحية الخصائص

– كان نمو الناتج المحلي الإجمالي في النموذج القديم متواصلًا ومرتفعًا نسبيًّا (بمعدل وسطي ما بين 5 و6 في المئة سنويًّا)، وبات في النموذج الجديد متقلبًا، يرتبط بتقلبات حجم التدفقات المالية الخارجية. ولم يتجاوز معدله الوسطي حتى أواخر عام 2018 حوالى 3.5 في المئة في السنة. وبقي المصدر الرئيس لهذا النمو، ومن بعيد، قطاع الخدمات المتوجهة إلى السوق المحلية لا إلى الأسواق الخارجية، كما في السابق. وفي هذا السياق، صار وزن هذا القطاع في الناتج المحلي الإجمالي أكبر (74 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي)، ووزن كل من الزراعة والصناعة أقل (على التوالي 3.3 في المئة و8.3 في المئة). وفي حين لم تتغير البنى الصناعية كثيرًا، فإن هذا التغير جاء ملحوظًا في ما يتعلق بالزراعة، بخاصة لناحية ضمور الزراعات التقليدية، هذا لجهة العرض. أما لجهة الطلب، فقد صار حجم الاستهلاك أكبر، حيث تجاوز حجم

الناتج المحلي الإجمالي (102 في المئة من الناتج)، في حين بقيت نسبة الاستثمار متدنية. وبذلك يكون الناتج المحلي الإجمالي قد أبدى عجزًا عن تغطية الطلب الإجمالي (الاستهلاك + الاستثمار) أكبر بكثير من السابق (26 في المئة من الناتج مقابل 16 في المئة).

– ارتفع منسوب الريع في النموذج الجديد كثيرًا (هنا نأخذ الريع بمفهومه الحديث الواسع)؛ فبعد أن كان معظم الدخل الوطني يأتي من الأجور والأرباح، بات مكونه الأهم هو الريوع في أشكالها المختلفة (الريوع العقارية والاحتكارية، وتلك الناتجة من الارتفاع الفاحش في أسعار الفائدة ونهب المال العام في أشكاله المختلفة). ومن حسابات تقريبية أجريناها، تبين لنا أن مجموع هذه الريوع ناهز نصف الدخل الوطني، في حين توزع الباقي، تقريبًا، مناصفة بين الأجور والأرباح.

– تميز النموذج الجديد أيضًا بارتفاع منسوب إهدار رأس المال البشري، فوصل، في تقديرنا، إلى حوالى 50 في المئة من مجموع القوى المتاحة للعمل. وقد نتج هذا الإهدار من انخفاض معدل المشاركة في النشاط الاقتصادي وارتفاع معدلات البطالة واتساع دائرة نقص التشغيل وكثافة الهجرة الخارجية. وبخصوص الهجرة تحديدًا، يصح القول إن النموذج الاقتصادي الذي كان يقوم على تصدير الخدمات بات يقوم على تصدير رأس المال البشري، علمًا أن إهدار رأس المال هذا قد تناول بشكل رئيس ذوي المستوى التعليمي المرتفع والشباب الأكثر مهارة.

– شهدت التبعية الاقتصادية للخارج متغيرات في غاية من الأهمية؛ فمن الناحية الكمية، ارتفعت

مؤشرات هذه التبعية عمّا كانت عليه في السابق؛ إذ وصل عجز الميزان التجاري إلى 30 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، بعد أن كانت هذه النسبة حوالى 22 في المئة. وبات ميزان السلع والخدمات يعاني من عجز قدره 26 في المئة من الناتج، بعد أن كانت هذه النسبة 3 في المئة فقط. والأهم من هذين المؤشرين هو أن لبنان الذي كان قبل الحرب الأهلية لا يعاني من مديونية تذكر، بات في المرتبة الثالثة عالميًّا لناحية ارتفاع مديونيته، حيث وصلت إلى 155 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. أما من الناحية النوعية، فإنه مع تحول الاقتصاد اللبناني من اقتصاد يقوم على إنتاج الخدمات لحساب الخارج إلى اقتصاد يقوم على التدفقات المالية الخارجية، لم تعد لتبعيته نحو الخارج تلك الخصوصية التي كانت تميزه من تبعية سائر البلدان النامية؛ خصوصية متمثلة في ارتباط تبعية لبنان بتبعية الداخل العربي نحو البلدان الرأسمالية. فلبنان لم يعد مرفأ العرب الرئيس ولا مصرفهم ومستشفاهم وجامعتهم ومركزهم الإعلامي والثقافي… إلخ ولم يعد الداخل العربي المصدر الرئيس للتدفقات المالية الخارجية إلى لبنان ولا المقصد الرئيس لصادراته السلعية، وما عاد العرب يشكلون العدد الأكبر من الوافدين إليه للسياحة والاصطياف. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإن الاطلاع على مختلف مكونات التدفقات المالية الخارجية إلى لبنان، التي بلغت خلال السنوات 1993-2018، حوالى 280 مليار دولار، أي حوالى 37.5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي كمتوسط في السنة، يُظهر اقتراب تبعية الاقتصاد اللبناني الخارجية المتجددة، من التبعية التي تميز في الوقت الحاضر العديد من البلدان المسماة “نامية”. فتحويلات اللبنانيين العاملين في الخارج خلال هذه المدة بمفردها بلغت حوالى 18 في المئة من الناتج كمتوسط سنوي، حيث جاء لبنان في عداد الدول الأكثر تلقيًّا لتحويلات مواطنيها العاملين في الخارج، وبحيث يكون لبنان قد استبدل، بنسبة يُعتَد بها، تصدير خدماته بتصدير رأس ماله البشري من الشباب ذوي المهارة والمستوى التعليمي المرتفع. هذا في الوقت الذي أخذت الحالة اللبنانية تقترب أيضًا من حالة بعض الكيانات السياسية الصغيرة التي توصف بـ “جنات ضريبية” وملاذات لتبييض الأموال، لناحية المُحفّزات التي يقدمها لبنان لاستدراج رؤوس أموال من الخارج (أسعار فائدة عالية جدًّا، تخفيضات ضريبية، إضافة إلى السرية المصرفية)، عدا عن القنوات غير الشرعية التي كان يمر عبرها قسم لا يستهان به من رؤوس الأموال تلك.

ج- لناحية المفاعيل الاجتماعية

نلاحظ، بداية، أن دليل التنمية البشرية قد واصل تحسنه في الجمهورية الثانية؛ فوصل متوسط دخل الفرد بحسب تعادل القوة الشرائية للدولار إلى حوالى 10,000 دولار، ووصل العمر المتوقع عند الولادة إلى 73 سنة، كما وصل معدل الالتحاق الإجمالي بجميع مراحل التعليم إلى 79 في المئة. وهذا كله ما جعل لبنان يحتل المرتبة 92 عالميًّا لناحية مستوى التنمية البشرية فيه. ولكن هذا التحسن الذي حصل على المستوى الوطني الإجمالي، لم يأتِ بشكل رئيس نتيجة للسياسات الاجتماعية الرسمية، بل بفضل تحويلات العاملين في الخارج وتثبيت سعر صرف الليرة تجاه الدولار على مستوى أعلى من قيمته الحقيقية. فالسياسات الاجتماعية في لبنان (نظم التعليم والعناية الصحية والحماية الاجتماعية)، بقيت تعاني من اختلالات كبيرة وتردي الفاعلية، إضافة إلى أن النظام الضريبي غير العادل عمل على إعادة إنتاج التفاوتات الاقتصادية والاجتماعية العمودية والأفقية، وإن بدرجات مختلفة عن السابق. وبهذا الخصوص، نلاحظ:

– زيادة في تركز الدخل والثروة؛ فبحسب الدراسة التي أجرتها ليديا أسود 9 بين عامَي 2004 و2014، يتبين أن 10 في المئة من السكان الأغنى استحوذوا على 56 في المئة من الدخل الوطني، منهم 1 في المئة استحوذوا على 23 في المئة، ما جعل لبنان في عداد الدول ذات المستويات الأعلى في العالم لناحية عدم المساواة في توزيع الدخل الوطني. أما في ما يتعلق بتوزيع الثروة، فكانت درجة التركز أعلى، حيث استحوذ 10 في المئة من السكان الأغنى على 70 في المئة من مجموع الثروات الشخصية في لبنان، منهم 1 في المئة استحوذوا على 45 في المئة من هذه الثروات.

– ولناحية التفاوتات بين المناطق، نلاحظ أن الاستقطاب الاقتصادي-الاجتماعي لبيروت الكبرى أخذ يفقد بعضًا من حدته، بسبب انتقال تقديم عدد من الخدمات إلى مراكز المحافظات والأقضية (معاملات إدارية، خدمات صحية وتعليمية، خدمات مصرفية وتسوق… إلخ). لكن التفاوتات لناحية مستويات المعيشة والفقر، بقيت نسبيًّا كبيرة. فنسبة الفقر المتعدد الأبعاد (التي تقيس دليل الحرمان المُدمج في خمسه ميادين: الصحة، العناية الصحية، الوضع الاقتصادي، المسكن، تجهيزات السكن) التي كانت في عام 2018 حوالى 53 في المئة على مستوى لبنان ككل، كانت بين 43 في المئة و52 في المئة في بيروت وجبل لبنان، في حين وصلت إلى 62 في المئة في بعلبك-الهرمل و69 في المئة في عكار. وهذا ينسحب على مختلف المؤشرات الفرعية الخمسة للفقر المتعدد الأبعاد.

– أما لناحية التفاوتات بين الطوائف، فلا تتوفر المعطيات الإحصائية التي تسمح برصد دقيق للمتغيرات على هذا الصعيد. غير أن المعاينة الميدانية، إضافة إلى المؤشرات على مستوى المناطق، تسمح بالقول إن التفاوتات في الأوضاع الاقتصادية-الاجتماعية للطوائف قد تقلصت بشكل عام، إنما بدرجات مختلفة بحسب الطائفة والقطاع المعيَّن. وفي هذا الإطار، يمكن القول إن التعليم والهجرة، وبدرجه أقل، مواقع ممثلي الطائفة في السلطة السياسية، قد شكّلت العوامل الرئيسة وراء التحسن الملحوظ في مؤشر الأوضاع الاجتماعية لشيعة جنوب لبنان، في حين لم تعمل في الدرجة نفسها لمصلحة شيعة بعلبك-الهرمل وسنّة الأطراف، بخاصة في الشمال.

وفي ما يتعلق بمواقع الطوائف في الاقتصاد الوطني، نلاحظ أن المتغيرات على هذا الصعيد لم تأتِ على قدر كبير من الأهمية. وجاءت كذلك متباينة بحسب قطاع الإنتاج وتأثير العوامل الثلاثة السابقة الذكر؛ فارتفاع مستوى التعليم كان وراء تحسن مواقع الطوائف الإسلامية في قطاع المهن الحرة. ونلاحظ أيضًا أن الحضور الذي أصبح وازنًا للقيادات الإسلامية في السلطة السياسية، لم يُترجم بحضور لها موازٍ في القطاعات الرئيسة المُحركة للاقتصاد، ربما باستثناء الإدارة الحكومية. كما نلاحظ بشكل خاص أن الهجرة كانت وراء الحضور الذي بات وازنًا للشيعة في قطاع العقارات وحضورهم المتواضع في القطاع المصرفي، هذا في حين أصبح للسنّة والدروز حضور واضح في هذا القطاع. عدا ذلك، بقي الحضور المسيحي طاغيًا في الشركات الكبرى والوكالات الحصرية في مختلف القطاعات  .

أخيرًا، لا بد من الإشارة، ولو سريعًا، إلى ما صاحب النموذج الجديد من تدهور بيئي غير مسبوق لناحية أبعاده الخطيرة، وشموله مختلفَ موارد لبنان الطبيعية من هواء ومياه وتربة وغابات وشواطئ بحرية ونهرية وتنوع إيكولوجي.

4 – أزمة النظام السياسي والاقتصادي العامة

أخذت الأزمة المصرفية، التي بدأت تظهر بوادرها في بداية عام 2019، مداها بعد استحداث ضريبة “الواتساب” الزهيدة واندلاع الانتفاضة في أواخر العام المذكور. وبدلًا من أن ترى المنظومة السياسية الاقتصادية الحاكمة في الانتفاضة داعيًا لوقف المسار الانحداري نحو الأسوأ، رأيناها ترى في هذه الانتفاضة مناسبة لتفجير أزمة مصرفية أدخلت البلاد في أزمة نظامية عامة بالغة الحدة: سياسية، مالية، نقدية، اقتصادية واجتماعية. أزمة اعتبرها خبراء البنك الدولي واحدة من أسوأ ثلاث أزمات عرفها العالم منذ منتصف القرن التاسع عشر. وأخذت هذه الأزمة تتفاعل نتيجة تضافر ثلاثة عوامل:

– العامل الأول: احتدام الصراعات التقليدية بين أطراف المنظومة الحاكمة. لكن هذه المرة على نحو جعلها بعد انفجار مرفأ بيروت أشد ضراوة، حيث احتلت المشهد السياسي تصفيةُ الحسابات وتقاذف المسؤوليات عن التسبب في الأزمة والانفجار. وفي هذا السياق، ذهبت مؤسسات الحكم إلى مزيد من الشلل والانحلال، وباتت الأزمة في جانبها السياسي أكثر استعصاءً على الحل.

– العامل الثاني: تعثُّر سير المنظومة الحاكمة بخطة تعافٍ مالي واقتصادي تحظى بموافقة صندوق النقد الدولي. فقد أبدى القطاع المصرفي (بشقيه المصارف التجارية ومصرف لبنان) وأجنحته السياسية، معارضة شرسة لما تضمنته خطتا التعافي لكل من حكومة حسان دياب وحكومة نجيب ميقاتي، من التزام بإعادة هيكلة القطاع، والحجم الكبير للخسائر المقدرة، إضافة إلى تحميل المصارف التجارية وكبار المودعين الجزء الأكبر من هذه الخسائر. هذا في حين اعتبرت هذه الجهات المعترضة أن “الدولة” هي المسؤولة أولًا وأخيرًا عن هذه الخسائر، وأن الحفاظ على حقوق المودعين يتطلب إنشاء”صندوق سيادي” لاستثمار ما لدى الدولة من أصول، على أن تُرصَد عائدات هذا الصندوق لتسديد حقوق المودعين. ولما كانت الأصول المعنية ملك المجتمع ككل، فإننا، من جهتنا، نرى أن المسؤولية تقع في الدرجه الأولى على عاتق المنظومة التي أمسكت بزمام الشأنين السياسي والاقتصادي بعد اتفاق الطائف، لا على عاتق “الدولة”، فالدولة “قانونًا”هي عبارة عن أرض وشعب ومؤسسات حكم، ولكن ذلك لا يعفي المصارف التجاربة ومصرف لبنان من تحمل المسؤوليات التي تترتب عليها قانونًا. بالتالي، لا يمكن تحييد أيٍّ من الأطراف الثلاثة عن تحمل قسطه من الخسائر.

– العامل الثالث: إيلاء مسؤولية الإدارة اليومية للأزمة إلى حاكم مصرف لبنان رياض سلامة. فطوال اضطلاع هذا الأخير بالمهمة التي أُوكِلت إليه، لم يخرج عن كونه الحارس الأمين لمصالح المنظومة الحاكمة. وقد حرص على الدوام على أن تكون هذه المنظومة المستفيدة الرئيسة من الإجراءات التي أقدم على اتخاذها؛ فمن أجل احتواء المفاعيل السلبية لتدهور سعر الصرف على الأوضاع المعيشية للبنانيين ومحاصرة الاحتجاجات الشعبية، وافق الحاكم بداية على دعم عدد كبير من السلع المستوردة في معظمها، علمًا أن من هذه السلع ما هو غير ضروري. لكن المبالغ التي أُنفِقَت على الدعم ذهبت، في جزئها الأكبر، لمصلحة التجار المحتكرين والمهربين والفئات الغنية. وبعد فشل سياسة الدعم، انتقل سلامة إلى محاولة الحد من ارتفاع معدلات التضخم، من خلال العمل على لجم تدهور سعر الصرف، فكانت سلسلة التعاميم التي أصدرها في هذا السياق، ومنها، على سبيل المثال، التعميم الذي أنشأ”منصة صيرفة”، لكن هذه الأخيرة عملت بشكل رئيس لمصلحة أصحاب الحظوة لدى المصارف من سياسيين ورأسماليين كبار. وفي تلك الأثناء، انصبت جهود الحاكم على تقليص خسائر القطاع المصرفي الجاري، باستخدام أساليب شتى مصطنعة لتذويب ودائع المواطنين لدى هذا القطاع، وتحويل خسائر مصرف لبنان بطرائق احتيالية إلى دين عام على الخزينة العامة.

وفي هذا السياق، أخذنا نشهد انهيار النموذج الاقتصادي الذي قام بعد اتفاق الطائف؛ فبعد عام 2018 وحتى أواخر عام  2021، فقدت الليرة نحو 88 في المئة من قيمتها، وقفز مؤشر التضخم التراكمي إلى 500  في المئة، وخسر الناتج المحلي الإجمالي حوالى 60 في المئة من قيمته. وارتفع عجز الميزان التجاري إلى 31 في المئة من الناتج، وانخفضت نفقات الموازنة العامة إلى 6.5 في المئة من الناتج (1.2 مليار دولار، منها 23 مليون دولار فقط للاستثمار)، وارتفع معدل البطالة إلى 30 في المئة من مجموع القوى العاملة، وعند فئة الشباب إلى 58 في المئة، وارتفعت نسبة العاملين في القطاع اللانظامي إلى 62 في المئة من مجموع القوى العاملة، وانخفض الحد الأدنى للأجور من 450 دولارًا إلى 53 دولارًا، وبات أكثر من نصف القوى العاملة يعيش بدخل أقل من 200 دولار شهريًّا، وصار الفقر يشمل حوالى 74 في المئة من مجموع السكان، ووصل عدد المهاجرين إلى ما يناهز 200 ألف مهاجر.

وبعد عام 2022، بقي معظم هذه المؤشرات على حاله، أو ازداد سوءًا؛ فعلى سبيل المثال، ارتفع عدد المهاجرين بين عامَي 2019 و2023 إلى حوالى 400 ألف مهاجر. وعلى الرغم من استقرار سعر صرف الليرة، ارتفعت نسبة التضخم السنوي كمتوسط في السنة إلى 231 في المئة، بعد أن كانت 171 في المئة في عام 2022. وخلال عامَي 2022-2023، انخفض الناتج المحلي الإجمالي إلى 21  مليار دولار، بعد أن كان في عام 2021 حوالى 23 مليار دولار. من ناحية ثانية، نلاحظ أن مع ضمور حجم التدفقات المالية الخارجية، أضحت هجرة الشباب اللبناني التي اشتد زخمها، المصدر الرئيس لهذه التدفقات. وإذا أخذنا في الاعتبار أن أكثر من 60 في المئة من الوافدين إلى لبنان سياحًا هم من اللبنانيين الذين يحملون جوازات سفر أجنبية، يمكن القول إن النموذج الاقتصادي بات يعتمد في اشتغاله، بدرجة أعلى من السابق، على هجرة (تصدير) الشباب اللبناني، بخاصة ذوي المؤهلات العلمية والمهنية العالية. وإذا أضفنا هذا إلى معدلات البطالة العالية، يتبين أن النموذج بات يعمل على أساس المزيد من الهدر في رأس المال البشري أيضًا، فتسارعت وتيرة تحول المجتمع اللبناني إلى مجتمع هرم. ومن ناحية ثالثة، نلاحظ أن الاستهلاك بات المحرك شبه الوحيد للنشاط الاقتصادي، بعد أن تدنت كثيرًا نسبة الاستثمار، ما زاد في تأكّل رأس المال المادي بشقيه العام والخاص.

ويشار أخيرًا إلى أنه، إضافة إلى فقدان العملة الوطنية دورَها باعتبارها أداة ادخار، زادت كثيرًا وتيرة التخلي عنها باعتبارها أداة للتبادل، فاقترب الاقتصاد اللبناني من الدولرة الكاملة. وبعد أن بات القطاع المصرفي بحكم”الزومبي” (الميت الحي) تحول هذا الاقتصاد إلى اقتصاد نقدي (كاش). ولتكتمل صوره الأزمة، باعتبارها أزمة نظامية عامة شاملة، يجدر أن يشار أيضًا إلى أن الأزمة السياسية زادت خطورة واستعصاءً على الحل. فقد باتت الانقسامات العمودية في المجتمع اللبناني ككل تأخذ، لناحية حدتها وخطورتها، أبعادًا لم تعرفها من قبل؛ إن لناحية انفلات الغرائز والعصبيات الطائفية من عقالها، أو لناحية تفشي أبشع مظاهر الحقد والكراهية والتخوين بين مختلف مكونات هذا المجتمع المتفسخ أصلًا. وبذلك ذهب الانقسام بين اللبنانيين إلى أبعد كثيرًا من كونه انقسامًا حول مواقع الطوائف في السلطة السياسية وموقع لبنان في الاصطفافات الدولية والإقليمية، ليضع وجود لبنان نفسه باعتباره كيانًا سياسيًّا موحدًا، على بساط البحث؛ فقد أخذ بعض اللبنانيين يعلن، بدعوى تميزه الثقافي من المواطنين الآخرين، استحالة العيش المشترك معهم.

من هنا، إلى أين هذه الأزمة ذاهبة؟

5 – حول مآل الأزمة

إن الإجابة الوافية عن هذا السؤال تتطلب إجراء بحث قائم بذاته. وليس في وسعنا هنا سوى تناول الأفكار الرئيسة التي يمكن أن تؤطر مقاربتنا لاستشراف مستقبل هذه الأزمة العامة التي يتخبط فيها لبنان في الوقت الحاضر؛ أفكار هي عبارة عن خلاصات توصلنا إليها من تتبُّعنا مسارَ الاجتماع اللبناني السياسي والاقتصادي منذ القرن التاسع عشر، بهدف رصد العوامل الرئيسة التي تحكمت في هذا المسار، وطبيعة العلاقات التي قامت بين هذه العوامل.

في هذا الخصوص، لاحظنا أن الاجتماع اللبناني في المراحل الثلاث التي مر بها (الانتداب الفرنسي، الجمهورية الأولى، الجمهورية الثانية)، قد قام على ركيزتين أساسيتين هما: الطائفية السياسية والاقتصاد غير المنتج. فكان التساؤل: إذا كان هذا الأمر يرتبط في المرحلة الأولى بالعامل الخارجي (الاستعمار الفرنسي)، فلماذا استمر بعد حصول لبنان على استقلاله ولم تتشكل/لم تظهر قوى سياسية اجتماعية محلية قادرة على الوصول إلى الحكم والعمل على الوفاء بوعود الجمهوريتين الأولى والثانية العرقوبية، لناحية التخلص من النظام السياسي الطائفي ونموذج الاقتصاد الحر غير المنتج؟

يكمن الجواب، وفق ما نرى، في الدينامية التي تولدت من التفاعل الذي أخذ مجراه بعد الاستقلال، بين العوامل الثلاثة: الطائفية السياسية والاقتصاد غير المنتج والخارج (بخاصة الهيمنة الغربية في شكلها الجديد بعد الحرب العالمية الثانية)؛ دينامية لم تفضِ إلى تشكُّل/ ظهور هذه القوة الاجتماعية التغييرية. ذلك أن هذا التفاعل جعل الانقسامات/التناقضات العمودية في المجتمع اللبناني، وعلى وجه الخصوص الطائفية منها، المرتبطة بالانقسام حول الهوية، تطغى إلى حد بعيد على الانقسامات الأفقية، الطبقية منها بشكل خاص، وتحول في الوقت نفسه دون توليد دينامية ذاتية (محلية)، للتغيير، ما جعل من”الخارج” العامل الرئيس المتحكم في الوجهة التي يأخذها الاجتماع اللبناني بشكل عام، وشقه الاقتصادي بشكل خاص. وهذا ما يحيلنا إلى سؤال آخر، هو: هل الأزمة الحالية التي يعاني منها لبنان في الوقت الحاضر عملت وتعمل على إنضاج

الظروف لظهور القوة الاجتماعية التغييرية العتيدة؟

يأتي الجواب، مع الأسف الشديد، بالنفي، وهو ما يؤكده ما آلت إليه انتفاضة تشرين الأول/أكتوبر

2019، والوجهة التي أخذتها بعدها الصراعات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي سبق ذكرها، ما يقودنا إلى القول إن مصير الأزمة الحالية بات، كمصير الأزمات التي سبقتها، في عهدة الخارج، إنما في ظروف دولية وإقليمية جديدة تجعلها تختلف عما سبقها من أزمات، ليس لناحية الأبعاد السياسية والاقتصادية التي تأخذها فقط، بل أيضًا لناحية الدور الذي صار يؤدّيه الخارج في تقرير مصيرها أيضًا. فقد باتت الأزمة اللبنانية جزءًا لا يتجزأ من أزمة المنطقة السياسية والاقتصادية. وهذه الأخيرة، في جوهرها، هي أزمة حركات التحرر الوطني التي لم تتوصل إلى تخليص هذه المنطقة من الهيمنة الغربية والاحتلال الصهيوني لفلسطين، ووضعها على سكة التنمية الاقتصادية والاجتماعية الشاملة والمستقلة ودولة المواطنة الديمقراطية. وإلى أن تنضج الظروف لتحقيق هذه المهمة التاريخية، فإن مآل أزمة لبنان الحالية، يتوقف على ما سيؤول إليه الصراع الضاري الدائر في الوقت الحاضر في المنطقة وعليها.

المراجع

1- العربية

الحريري، رفيق بهاء الدين. الحكم والمسؤولية: الخروج من الحرب والدخول في المستقبل. بيروت: منشورات الشركة العربية المتحدة للصحافة، 1999.

شيحا، ميشال. لبنان في شخصيته وحضوره. نقله إلى العربية فؤاد كنعان. بيروت: منشورات الندوة اللبنانية،1962 .

عيسى، نجيب. “الإصلاح الاقتصادي وإعادة الإعمار في لبنان” دراسة نشرتها اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا). عمّان: 3 تشرين الأول/أكتوبر 1993.

_______. سوق العمل وأزمة التشغيل في لبنان: اقتصاد المعرفة كمدخل لاستراتيجية الخروج من الأزمة. بيروت: دار الفارابي، 2018.

لبكي، بطرس”موازين القوى بين الطوائف وتكون الصراعات الداخلية” مجلة الواقع. العدد 5-6 (تشرين الأول/أكتوبر 1983).

2- الأجنبية

Assouad, Lydia. “Rethinking the Lebanese Economic Miracle: The Extreme Concentration of Income and

Wealth in Lebanon 2005-2014”WID. World. Working Paper Series no. 2017/13. September 26,2017

Chiha, Michel. Propos d’ économie libanaise. Beyrouth: Editions du Trident, 1965.

IRFED. République Libanaise – Ministère du Plan. Besoins et possibilités de développement du Liban –

Etude Préliminaire. Tome II: Problematique et orientation. Liban: Mission Irfed, 1960-1961.

Issa, Najib. “Structures actuelles et politiques du développement au Liban: Possibilités et limites du

développement industriel” Thèse pour Le Doctorat en sciences économiques. Université de Paris I.

Panthèon-Sorbonne. Paris, 1973.

World Bank. Lebanon Economic

*نشرت هذه الدراسة في كتاب “خمسون سنة على حرب لبنان: الآثار ولمتغيرات” الصادر حديثا عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بيروت، 2026. وكان الموقع قد نشر تقديم الدكتور خالد زيادة للكتاب وعرض لدراسة د. زهير هواري ايضا.