اقتصاد صحف وآراء

اقتصاد لبنان السياسي بعد عام 1975  1/ 2

*نجيب عيسى

ترتكز مقاربتنا لهذا الموضوع على مقولة تكوّنت لدينا من متابعة المسار التاريخي للاقتصاد اللبناني، مفادها أن هذ المسار قد خضع، منذ نشوء لبنان الكبير، للقاء عاملين رئيسين وتفاعلهما هما: الخارج  ونظام الطائفية السياسية، الذي أمسكت بزمامه منظومة حكم لها خصائص اجتماعية وفكرية معيّنة. ومن هذا المنطلق، نرصد، في ضوء تفاعل هذين العاملين، مسار الاقتصاد اللبناني، بنية وأداء، بعد اندلاع الحرب الأهلية في عام 1975، حيث يظهر الثابت والمتغير في هذا المسار. وهذا ما تطلب منا، إلقاء نظرة سريعة على مسار اقتصاد لبنان السياسي قبل العام المذكور.

أولًا: الجذور التاريخية للاجتماع اللبناني السياسي والاقتصادي.

منذ القرن التاسع عشر، اتخذ الغرب الرأسمالي الاستعماري المجال الجغرافي المتمثل في جبل لبنان وبيروت، منصة ينطلق منها لبسط نفوذه الاقتصادي والسياسي على الداخل العربي. وارتبط هذا الدور الوظيفي الذي أُنِيط بهذين الجزأين من لبنان، بإقامة نظام حكم محلي في جبل لبنان (في عهد المتصرفية) على أساس طائفي، وتعزيز دور بيروت وسيطًا في العلاقات الاقتصادية التي أخذت تتوطد بين الغرب والداخل العربي. وجاء الانتداب الفرنسي ليُنشئ لبنان الكبير برغبة من غالبية المسيحيين ومعارضة من غالبية المسلمين، ويُكرّس في الوقت نفسه الدور الوظيفي للكيان الجديد بالتلازم مع نظام الطائفية السياسية على صعيد الحكم المحلي وتعزيز الاقتصاد غير المنتج (اقتصاد الوساطة تحديدًا) في بيروت. وبقي الكيان السياسي الجديد في ظل الانتداب الفرنسي عبارة عن حيز جغرافي يجمع مناطق وطوائف، متفاوتة كثيرًا لناحية أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية، ومنقسمة حول هويتها الوطنية وتمارس النخب المسيحية، ضمن الحدود التي رسمتها سلطة الانتداب، هيمنة على المجالين السياسي والاقتصادي.

ثانيًا: السمات الرئيسة لاقتصاد لبنان السياسي

  •  الخارج: نقصد به المتغيرات السياسية والاقتصادية الدولية والإقليمية المؤثرة في حركة الاجتماع اللبناني السياسي والاقتصادي. ومن ضمنها المتغيرات في العلاقة بين المراكز الرأسمالية المتقدمة وبلدان المنطقة العربية، على الصعيدين المذكورين، ولا سيما ما يتعلق منها بموازين القوى بين حركات التحرر الوطني في المنطقة، من جهة، والغرب الاستعماري-الإمبريالي وحليفته إسرائيل، من جهة أخرى.

2 –   نظام الطائفية السياسية: نقصد به النظام السياسي الذي أخذ به لبنان والقاضي بتوزيع المناصب في مؤسسات الحكم السياسية (التشريعية والتنفيذية) والإدارية على أساس حصة معيّنة لكل من مكوناته الطائفية.

3 - الاقتصاد غير المنتج: نقصد به الاقتصاد الذي يقوم بشكل رئيس على قطاعات إنتاج غير قابل للتبادل في الأسواق الخارجية.

في الجمهورية الأولى

على الرغم مما نص عليه دستور الجمهورية الأولى بخصوص الطابع المؤقت لنظام الطائفية السياسية، والتزام حكومة الاستقلال الأولى والحكومات التي تلتها، إجراء مجموعة من الإجراءات التي من شأنها وضع لبنان على سكة التنمية الاقتصادية والاجتماعية الشاملة والمتوازنة، فإنه أُعِيد إنتاج نظام سياسي طائفي يتمتع فيه رئيس الجمهورية المسيحي بصلاحيات واسعة، بالتلازم مع اقتصاد يقوم على إنتاج الخدمات لحساب الخارج (اقتصاد الوساطة) على نطاق واسع ويعمل في إطار من الليبرالية المنفلتة من عقالها. ومع إعادة إنتاج هذا الثنائي (الطائفية السياسية والاقتصاد غير المنتج)، أُعيد أيضًا إنتاج تفاوتات اقتصادية واجتماعية عميقة بين المناطق والفئات الاجتماعية (طبقات وطوائف). وذلك جاء نتيجة كون النخب التي أمسكت فعليًّا بزمام الشأنين السياسي والاقتصادي بعد الاستقلال، هي نفسها، لناحية منابتها الاجتماعية والفكرية، التي كانت ممسكة بهذين الشأنين في ظل الانتداب الفرنسي، نقصد النخب البرجوازية

المسيحية التي تشربت رؤية ميشال شيحا لمستقبل لبنان السياسي والاقتصادي . هذه الرؤية التي تتلخّص بأن الدولة في لبنان يجب أن تبقى مجرد تعبير عن التعددية الطائفية، وأن نشاط اللبنانيين الاقتصادي لا يمكن أن يكون إلا مع الخارج وفي الخارج، وأن الاقتصاد اللبناني لا يمكن، بالتالي، أن يكون إلا اقتصاد تجارة وخدمات، لا يتحقق نموه ويزدهر إلا في ظل أعلى درجات الليبرالية.

غير أن ما كان للرؤية الشيحية هذه، التي بقيت مهيمنة لدى النخب اللبنانية حتى وقتنا الحاضر، أن تأخذ طريقها إلى حيز الواقع لولا سلسلة المتغيرات الجيوسياسية والاقتصادية التي حدثت بعد الحرب العالمية الثانية على الصعيدين الدولي والإقليمي، والتي عملت على تعزيز دور لبنان الوظيفي الإقليمي الاقتصادي والجيوسياسي. نقصد بهذه المتغيرات: الحرب الباردة، صعود حركات التحرر الوطني، الاحتلال الصهيوني لفلسطين، ارتفاع إنتاج النفط وعائداته في الداخل العربي، قيام أنظمة حكم “اشتراكية” في عدد من الأقطار العربية. وفي سياق هذين التلاقي والتفاعل بين العاملين الداخلي والخارجي، جاءت محصلة أداء الاقتصاد اللبناني قبيل اندلاع الحرب الأهلية، وبشديد الاختصار، على الوجه الآتي  :

نمو متواصل للناتج المحلي الإجمالي بمعدلات متوسطة، مع توازنات نقدية ومالية، داخلية وخارجية،ملحوظة، لا بل تحقيق فوائض في الموازنة العامة وميزان المدفوعات، إضافة إلى معدلات تضخم متدنية. وهذا ما اعتُبر “ازدهارًا اقتصاديًّا منقطع النظير” من دون الالتفات إلى أن هذا ” الازدهار” قد تلازم مع اختلالات بنيوية اقتصادية واجتماعية عميقة تمثلت في هيمنة كاسحة لقطاع الخدمات على الاقتصاد، مقابل تهميش ممنهج لقطاعي الزراعة والصناعة وتبعية اقتصادية مفرطة للخارج وهيمنه كاسحة لبيروت ومحيطها القريب من جبل لبنان على المجال اللبناني (تركز شديد لمعظم النشاط الاقتصادي والخدمات الاجتماعية الأساسية في هذا المحيط الضيق من الأراضي اللبنانية) وتوزيع ظالم للدخل الوطني، إضافة إلى اتجاه معدلات البطالة والهجرة إلى الارتفاع.

نلحظ، من جهة أخرى، أن الجمهورية الأولى لم تعرف مرحلة طويلة من الاستقرار، لا بسبب تشكل قوى سياسية اجتماعية جديدة تسعى وراء تغيير النموذج الاقتصادي-الاجتماعي القائم، بل نتيجة متغيرات في موازين القوى السياسية المحلية التي أفرزها صعود حركات التحرر الوطني في المنطقة. وفي هذا السياق، جاء دخول النظام السياسي لجمهورية الاستقلال الأولى في أزمات كان طابعها الغالب طائفيًّا. وتمحورت هذه الأزمات بشكل رئيس حول موقع لبنان في الصراعات التي أخذت تحتدم بين هذه الحركات من جهة والغرب الاستعماري وحليفته إسرائيل من جهة أخرى، فكانت الحرب الأهلية الأولى الخاطفة في عام 1958، والحرب الأهلية الثانية المديدة والمُدمّرة التي اندلعت في عام 1975، والتي لم تستطع تجربة الرئيس فؤاد شهاب الإصلاحية توفير الشروط اللازمة لتحاشيها.

ثالثًا: الحرب الأهلية (1975-1990) وتكوّن المعالم الرئيسة لاقتصاد لبنان السياسي

في الجمهورية الثانية

جاء اندلاع هذه الحرب في أعقاب انتقال قيادة حركة التحرر الوطني العربية من مصر الناصرية إلى المقاومة الفلسطينية المسلحة التي بات لبنان يشكل قاعدتها الرئيسة. وبعد أن دار الصراع في عام 1958، أساسًا، بين زعامات سياسية تقليدية من الطرفين (المسلم والمسيحي)، اختلف الأمر في الحرب الأهلية الثانية. فمقابل الطرف المسيحي الذي كان يتمثل، بادئ الأمر في الزعامات التقليدية، بات الطرف الآخر في هذا الصراع يتمثل في تحالف قام بين أحزاب وقوى قومية ويسارية (الحركة الوطنية) من جهة، والمقاومة الفلسطينية من جهة ثانية. وخاض الطرف اللبناني في هذا التحالف الحرب تحت شعار مزدوج: الدفاع عن وجود المقاومة الفلسطينية في لبنان وتغيير النظام السياسي الطائفي، من دون الإتيان إلى ذكر النظام الاقتصادي. والجدير بالملاحظة هنا هو أن الطابع الغالب على جمهور المقاتلين من هذا الطرف، كان من المسلمين وبغلبة شيعية، وذلك بعد أن كانت هذه الطائفة قد شهدت تفلتًا واسع النطاق من زعاماتها التقليدية، بفعل الإنجازات الشهابية على صعيد التعليم الرسمي من جهة، والهجرة إلى الخارج والنزوح الريفي إلى بيروت وضواحيها من جهة أخرى. غير أن خروج المقاومة الفلسطينية من لبنان في أعقاب الاجتياح الإسرائيلي في عام 1982، والضعف الذي كان قد لحق بالحركة الوطنية بعد الدخول السوري في عام 1976، أعادا الصراع إلى طابعه الطائفي الغالب، مترافقًا هذه المرة مع صراعات داخل الطائفة الواحدة.

واختفى شعار تغيير نظام الطائفية السياسية من التداول. وفي السياق المتعدد الشكل والطور والبُعد لهذه الحرب، تشكلت الملامح الرئيسة لاجتماع لبنان السياسي والاقتصادي في الجمهورية الثانية. ففي الجانب السياسي، وباستثناء الحالة الدرزية، شهدت الحرب إزاحة الزعامات السياسية التقليدية وإبعادها من مركز القرار السياسي، داخل طوائفها وعلى المستوى الوطني، وحلول قيادات المنظمات المسلحة (أمراء الحرب) مكانها. هذا إضافة إلى صعود دور الطرف الشيعي في تحديد مجرى الأحداث. ومن جهة أخرى، لم يعد الصراع بين مراكز القوى الطائفية يدور حول موقع لبنان في الاصطفافات الإقليمية والدولية فقط، بل بات متلازمًا مع صراع هذه القوى على المواقع داخل السلطة السياسية على المستوى الوطني، واستطرادًا على مواقعها في قيادة طوائفها، وذلك من دون أن يكون لأي من الأطراف المتصارعة رؤية جديدة لمستقبل لبنان الاقتصادي. وفي ما يتعلق، تحديدًا، بما كان لهذه الحرب من تأثير على الصعيد الاقتصادي، نلاحظ أنه في حين كان لبنان بأمس الحاجة إلى سياسة تعمل على تحويل نموه الاقتصادي الملحوظ إلى تنمية شاملة ومتوازية، جاءت الحرب، مع المتغيرات التي أتت بها على الصعيد السياسي والخسائر الجسيمة في رأس المال الوطني، البشري والمادي، لتضع حدًّا لحركة النمو هذه وتجعل الاختلالات البنيوية التي كانت قائمة أكثر عمقًا، وتُضيف إليها اختلالات ماكرو اقتصادية لم تكن معروفة من قبل. وهذا كله سيتكرس بشكل أو بآخر في أحضان الجمهورية الثانية.

فما نتج من الحرب في مرحلتها الأولى 1975-1982 من خراب ودمار كبيرين في رأس المال

البشري (قتلى وجرحى وهجرة) وفي رأس المال المادي (بنى تحتية ومرافق عامة ومؤسسات إنتاجية)، أنزل ضربة قاصمة بدور الوساطة الذي كان يؤدّيه الاقتصاد اللبناني على الصعيد الإقليمي. هذا في وقت ترافق انغماس لبنان في الحرب مع فورة نفطية في أقطار الخليج، لا سابق لها؛ فورة مكّنت هذه الأقطار من الاستغناء عن معظم الخدمات التي كانت تحصل عليها من لبنان وعبره. وبذلك أخذ الاقتصاد اللبناني يتحول إلى نموذج أكثر ريعية؛ فبعد أن كان محركه إنتاج الخدمات لحساب الخارج، بات محركه تدفقات مالية خارجية، مصدرها تحويلات اللبنانيين الذين هاجروا بكثافة للعمل في الخارج، إضافة إلى التحويلات لحساب منظمة التحرير الفلسطينية والأطراف اللبنانية المتصارعة. ولكن بعد الاجتياح الإسرائيلي في عام 1982، ونضوب التحويلات المالية الخارجية، أخذ الاقتصاد اللبناني يفقد الصمود النسبي الذي تمكّن من تحقيقه بفضل هذه التحويلات، فدخل مرحلة جديدة أخذت الاختلالات الماكرو اقتصادية أبعادًا خطيرة، ترتّبت عليها أوضاع اجتماعية لا تقل خطورة. وذلك نتيجة ازدياد حدة المواجهات السياسية والعسكرية بين الأطراف المتصارعة وتخلّي الدولة عن موقعها المحايد نسبيًّا في الصراع الداخلي وتحولها إلى طرف فيه. هذا إلى جانب استيلاء الميليشيات وقوى الأمر الواقع على إيرادات الخزينة العامة، وهروب رؤوس الأموال، ولا سيما الأجنبية، من البلد.

وكانت المحصلة في أواخر الثمانينيات  أن انخفض الناتج المحلي الإجمالي إلى 38 في المئة مما كان عليه في أوائل السبعينيات، وتفاقم العجز في المالية العامة، فبلغ 40 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وتدهور سعر صرف الليرة لتصبح قيمتها نحو 300 مرة أقل، وحلّق التضخم، حيث تضاعفت أسعار الاستهلاك 480 مرة، وتزايدت معدلات البطالة، فوصلت إلى ما بين 10 و12 في المئة من مجموع القوى العاملة، ولم تعد القيمة الحقيقية للأجر الوسطي أكثر من 27 في المئة من قيمته في مطلع السبعينيات. هذا كله، مضافًا إلى التدهور الكمي والنوعي لأداء المرافق العامة والخدمات الصحية والتعليمية، أدى إلى تدهور مستوى معيشة شريحة واسعة من الطبقة الوسطى وانحدارها إلى مستوى الفقر.

وأخيرًا ينبغي أن يشار إلى أنه في أثناء هذه الحرب، أخذت العلاقة تتوطد بين القطاع المصرفي وقادة الميليشيات (أمراء الحرب)، الذين كانوا قد استولوا على قسم كبير من المال العام، وحصّلوا ثروات كبيرة من ممارسات نشاطات غير شرعية (الاقتصاد الموازي). فدخل الطرفان سويًّا في لعبة المضاربة على العملة الوطنية وجنيا أرباحًا طائلة.

رابعًا: اقتصاد لبنان السياسي في الجمهورية الثانية

ذهبت “وثيقة الوفاق الوطني”،التي أنهت الحرب الأهلية في أواخر عام 1989، في بنودها الإصلاحية، التي أُدرج معظمها في دستور الجمهورية الثانية، إلى أبعد مما تضمنه الدستور والبيانات الوزارية في الجمهورية الأولى؛ إذ حسمت مسألة هوية لبنان بنصها على أنه عربي الهوية والانتماء، والتزمت بإلغاء الطائفية السياسية وفقًا لخطة مرحلية. وفي الجانب الاقتصادي-الاجتماعي، تضمنت الوثيقة عددًا من البنود التي توحي بأننا أمام صيغة من المشروع التنموي الشهابي أكثر تطورًا.

لكن نصيب هذه البنود الإصلاحية من التنفيذ لم يكن بأفضل من نصيب تلك التي التُزِم بها في بداية الاستقلال، فأُعيد إنتاج ركيزتي النظام نفسيهما، بأشكال مختلفة، نعني الطائفية السياسية والاقتصاد الحر غير المنتج. أما السبب فهو نفسه: من جهة، خصائص المنظومة السياسية الطائفية التي استلمت زمام الحكم، ومن جهة أخرى الظروف الخارجية التي أحاطت بوصولها إلى الحكم.

1 – النظام السياسي الطائفي بعد اتفاق الطائف

نلاحظ، بداية، أن الحرب الأهلية لم تنتهِ بانتصار فريق يحمل مشروعًا لتغيير جذري للنظام الذي كان قائمًا قبلها؛ فقد تكوّنت السلطة السياسية، التي نشأت مباشرة بعد اتفاق الطائف، من أمراء الحرب عند الطوائف، باستثناء الطائفة السنية التي جاء رفيق الحريري ممثلًا لها بإرادة من الدول الراعية للاتفاق. ولم يكن معلنًا أو معروفًا أن الهم الرئيس، عند أي من ممثلي الطوائف هؤلاء، كان إقامة الدولة المدنية التنموية.

في كل حال، ما كان للاتفاق أن يحصل لولا الإرادة الخارجية. وبعد دخول اتفاق الطائف مرحلة التنفيذ، لم ير أي طرف لبناني في الحكم مصلحة له في إنهاء المرحلة الانتقالية والعبور إلى نظام سياسي لاطائفي. وكذلك الأمر بالنسبة إلى رُعاة الاتفاق الدوليين والإقليميين، الذين كانوا يعرفون أن القيادات السياسية اللبنانية الجديدة ليست تلك المجموعة التي يسود بين أطرافها الانسجام والوئام والتجرد من العصبيات الطائفية والمصالح الفئوية. لذلك جعلوا من سورية وصية على لبنان، تؤدّي دور الضابط للخلافات والصراعات المحلية ضمن حدود لا تهدد السلم الأهلي. وفي هذا السياق، أمسكت سورية بالشأن الأمني إلى جانب احتفاظها بالكلمة الأخيرة في ما يتعلق بالقرارات السياسية والإدارية التي تصدر عن السلطات اللبنانية. وتُرِك لهذه الأخيرة أمر معالجة المشاكل الاقتصادية والاجتماعية التي نتجت من الحرب. والمهم هنا هو أن نلاحظ أن السلطة السياسية التنفيذية اللبنانية قد تحولت، في ظل الوصاية السورية، من سلطة أحادية، يقبض على زمامها في الجمهورية الأولى رئيس الجمهورية المسيحي، إلى سلطة متعددة الرؤوس الطائفية (الرئاسات الثلاث مع عدد محدود من السياسيين القادة في طوائفهم)، توزعت بينها مؤسسات الحكم. فانصرف كل منها إلى استخدام الموقع الذي احتله للاستحواذ على أكبر حصة ممكنة من المال العام، فيذهب جزء من هذه الحصة إلى محفظات القادة الخاصة، والجزء الآخر يستخدمه هؤلاء لتوسيع دائرة علاقاتهم الزبائنية وحشد المحاسيب والأنصار، كل داخل طائفته. وهكذا باتت هذه القيادات السياسية ترى أن بقاءها في السلطة يرتبط إلى حد بعيد باستمرار النظام السياسي بصيغته الطائفية. لذلك، أخذت تجهد لترسيخه، بترك العامل الطائفي يتغلغل في مختلف جوانب الحياة الاجتماعية والاقتصادية للبلاد.

وفي هذا السياق، لم يعد الفساد يقتصر على استغلال المسؤولين مواقَعهم في السلطة للحصول على منافع خاصة بأشكال مختلفة: رشى، سمسرات، عمولات، خوّات، اختلاسات… إلخ، بل باتت السياسات الاقتصادية والمالية والنقدية التي اعتُمدت، مرتع الفساد الرئيس. فقد صارت هذه السياسات تُصمّم لخدمة المصالح الخاصة للمنظومة الحاكمة. بذلك صار الفساد، إلى جانب الطائفية، ركيزة أساسية للنظام السياسي الجديد؛ بمعنى أنه أصبح معطًى بنيويًّا لا يمكن النظام أن يعمل من دونه. ومن جهة أخرى، لم يكن للنظام السوري مصلحة في إنهاء المرحلة الانتقالية وتحوّل النظام السياسي اللبناني إلى نظام مدني، لأن وجوده راعيًا للسلم الأهلي في لبنان كان يصب في تعزيز نفوذه الإقليمي. وكذلك الأمر بالنسبة إلى الولايات المتحدة، فقد كان همها الرئيس في لبنان هو خروجه من الحرب الأهلية وانخراطه، بمختلف مكوناته السياسية والطائفية في “عملية السلام” التي كان يُحضَّر لها مع إسرائيل.

لقد عاش النظام السياسي اللبناني الذي قام بعد اتفاق الطائف في ظل الوصاية السورية، حالة من

الاستقرار النسبي. لكن مع زوال التفاهمات الدولية والإقليمية التي كانت وراء هذه الوصاية، وخروج الجيش السوري من لبنان في أعقاب اغتيال الرئيس رفيق الحريري في عام 2005، عادت الصراعات بين مراكزالقوى السياسية الطائفية لتحتدم من جديد. ولم تختلف هذه الصراعات، من حيث الجوهر، عن تلك التي شهدها عقد الثمانينيات من القرن الماضي، لناحية طابعها المزدوج: صراعات على المواقع في السلطة السياسية وفي الوقت نفسه على موقع لبنان في الاصطفافات الدولية والإقليمية. وكانت هذه الصراعات المتجددة تضع، في بعض الأحيان، لبنان على شفير حرب أهلية، يحول دون اندلاعها عدم توفر الظروف الخارجية الملائمة.

وفي هذا السياق، دخل النظام السياسي اللبناني في سلسلة من الأزمات، ما كان يخرج من الواحدة منها إلا بتسوية مؤقتة ترعاها التفاهمات الإقليمية والدولية، ليعود فيدخل في أخرى تنتج من انفراط عقد هذه التفاهمات. وفي تلك الأثناء، باتت مؤسسات الحكم التشريعية والتنفيذية تتعطل عن العمل أشهرًا عدّة، فيلحق الشلل بالإدارات والمؤسسات العامة والأسلاك القضائية والأمنية، التي كانت جميعها قد تحولت إلى محميات حزبية وطائفية. وصارت القرارات السياسية والإدارية، التي كان لا بد من اتخاذها، تخضع للفيتوات المتبادلة عندما لا تنعقد حولها التسويات والمقايضات على حساب القواعد والقوانين المرعية الإجراء.

طويلة هي لائحة الأمثلة المؤشرة إلى مدى الدرك الذي وصلت إليه حالة اهتراء مؤسسات الحكم. ونكتفي هنا بذكر بعضها: عدم إصدار موازنة عامة سنوية، تردّي الخدمات العامة من كهرباء ومياه ومعالجة النفايات، تأكّل البنى التحتية، غياب خطط لاستقبال النازحين السوريين، تدمير ممنهج للبيئة… إلخ.

  • النموذج الاقتصادي الذي تشكل بعد اتفاق الطائف

للأسباب ذاتها (خصائص المنظومة الحاكمة والظروف الخارجية)، لم يكن مصير المندرجات

الاقتصادية-الاجتماعية التنموية في اتفاق الطائف بأفضل من مصير مندرجاته السياسية الإصلاحية؛ فمن ناحية، جاءت المنظومة الحاكمة عبارة عن اندماج، إلى درجة غير مسبوقة، بين مجموعتين: مجموعة أمراء الحرب الذين كانوا قد أصبحوا خلالها رجال أعمال أيضًا، راكموا الثروات من مصادرتهم الأموال والأملاك العامة. ومجموعة أخرى هي أصلًا من رجال الأعمال، يجمع بينهم السعي وراء الربح السريع والفاحش ومراكمة الثروات، في لبنان وفي الخارج، من ممارسة نشاطات خدماتية (ومنهم مصرفيون، مقاولون، محتكرون للتجارة الخارجية، سماسرة… إلخ). وقد وصل هذا الاندماج إلى درجة صار معها رأس المال الكبير ممثلًا في رفيق الحريري على رأس السلطة التنفيذية، ويمسك في الوقت نفسه، شخصيًّا، بزمام

القرار الاقتصادي والمالي والنقدي. ومن يقرأ الكتيب الذي وضعه الحريري الأب ، يكتشف أن رؤيته لمستقبل لبنان الاقتصادي بعد اتفاق الطائف لا تختلف من حيث الجوهر، عن الرؤية الشيحية التي أتينا على ذكرها أعلاه. فكانت هذه الرؤية في أساس مشروع النهوض الاقتصادي وإعادة الإعمار الذي رعاه الحريري والذي كان هدفه الرئيس إعادة إطلاق مسيرة النمو الاقتصادي التي أوقفتها الحرب من خلال إحياء النموذج الاقتصادي القديم، القائم على إنتاج الخدمات لحساب الخارج، وفي الإطار الليبرالي المتطرف نفسه. ولم تعر الخطط، التي وُضعت لهذه الغاية، أي اهتمام لقطاعي الزراعة والصناعة، ولا لمسألة التفاوتات الاقتصادية والاجتماعية بين مختلف المناطق والفئات الاجتماعية. وفي هذا الإطار، كانت مهمة إطلاق مسيرة النمو تقع، بشكل رئيس، على عاتق القطاع الخاص، في حين انحصرت مسؤولية الدولة في نطاق توفير المناخ المناسب ليستثمر هذا القطاع رؤوس الأموال اللازمة لتحقيق معدلات نمو مرتفعة، وذلك

من خلال العمل على إعادة إعمار وتحديث البنى التحتية المادية التي دمرتها الحرب، وتأمين الاستقرار المالي والنقدي، ووضع الأطر القانونية والتنظيمية المُحفِّزة والمُسهِّلة مهمة القطاع الخاص.

في اختصار، أراد رفيق الحريري لمشروعه أن يجعل من بيروت دبي ثانية على شاطئ المتوسط، مراهنًا على حلول قريب للسلام في الشرق الأوسط وتدفق مساعدات خليجية سخية. لكن هذه المساعدات لم تأتِ، فكان تمويل مشاريع إعادة الإعمار بقروض من مؤسسات التمويل الدولية وإصدار سندات خزينة بأسعار فائدة أعلى بكثير من الأسعار الرائجة عالميًّا، إضافة إلى زيادة الضرائب والرسوم غير المباشرة.وبحجة تحفيز الاستثمارات الخاصة، جرى تخفيض كبير في نسب الضرائب المباشرة على الأرباح ورؤوس الأموال للشركات والأفراد.

لقد أدت هذه الإجراءات إلى تحسين سعر صرف الليرة وتخفيض معدلات التضخم وتحقيق إنجازات ملحوظة في مجال إعادة تأهيل البنى التحتية الأساسية وتحديثها (تركز معظمها في بيروت الكبرى). هذا إلى جانب تحقيق معدلات نمو مقبولة، لكن أقل مما توقعته خطة النهوض.

في المقابل، كان فشل السياسة المالية مدويًّا؛ فعلى الرغم من الزيادة التي تحققت في إيرادات الموازنة، انفلت الإنفاق الجاري من عقاله، بسبب ما سمي عملية”شراء السلم الأهلي” التي ترتب عليها تمكين مراكز القوى السياسية الطائفية من الاستحواذ على جزء كبير من المال العام، ما أدى إلى تفاقم العجز المالي وتراكم الدين العام بوتيرة سريعة وهبوط معدلات النمو وارتفاع معدلات البطالة والفقر والهجرة.

هكذا، بات مشروع النهوض، بعد مضي ثلاث سنوات على انطلاقه في بداية عام 1993، بحكم

المتعثر. وبسبب فشل إحياء اقتصاد الوساطة، والاستمرار في تهميش قطاعات الإنتاج الحقيقي، أصبح مصدر النمو الاقتصادي يقتصر على ارتفاع أسعار الفوائد المصرفية والريوع العقارية. ومع ضمور حجم التحويلات المالية من الخارج ودخول قطاع العقارات في حالة جمود وتقلص الاستثمارات في البنى التحتية، أخذ معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي ينخفض. إلا أن ما أصاب مقتلًا من المشروع ككل هو التناقض الذي بدا واضحًا، بين هدف تخفيض العجز المالي وانفلات الإنفاق العام الجاري الذي بات مرادفًا لوجود الأوليغارشية السياسية المالية ذاتها في الحكم.

وعوض أن ترى السلطة السياسية في هذا التدهور حافزًا لإعادة النظر في الأسس التي قام عليها مشروع النهوض، حاولت عبثًا إنقاذ هذا المشروع من خلال عدد من الإجراءات المرتجلة والجزئية والمشتتة. والجدير بالإشارة هنا، على نحو خاص، هو أن هذه السلطة عمدت إلى اتخاذ قرارين (تثبيت سعر الصرف وإجازة الاستدانة بالعملات الأجنبية) شكّلا، إلى جانب الاستمرار في سياسة معدلات الفائدة المرتفعة، العوامل الرئيسة لتكريس نموذج مالي اقتصادي جديد، تحركه تدفقات مالية خارجية، لم تذهب للاستثمار في قطاعات الإنتاج الحقيقي، بل لتمويل عجز الخزينة والدفاع عن الليرة، وبالتالي لتمويل استهلاك المنتجات المستوردة.

وبعد فشل حكومة الرئيس سليم الحص (1999-2000) في معالجة مشكلة العجز المالي من خارج الاستدانة، وعودة الرئيس رفيق الحريري إلى الحكم، أخذ النموذج المالي الاقتصادي يترنّح. فكانت محاولات إنقاذه عبر سلسلة المؤتمرات التي عُقِدت في باريس لمساعدة لبنان. وجاءت هذه المؤتمرات عبارة عن مُسكِّنات تخفف من وطأة المرض، ليعود بعدها ويتفاقم من جديد، فيتطلب جرعة أخرى من الدواء نفسه (الاستدانة). وفي كل مرة كانت “الجهات المانحة” تشترط على لبنان أن يلتزم تنفيذ الوصفات النيوليبرالية المعروفه (خفض الإنفاق الجاري، زيادة الضرائب غير المباشرة، خصخصة المرافق العامة… إلخ). لكن الممسكين بالسلطة لم يبدوا التزامًا بهذه المندرجات إلا بالقدر الذي كان يقتضيه التوفيق بين مصالحهم الخاصة والمتناقضة. وهنا نلاحظ أن نيوليبرالية المنظومة، وعلى عكس ما هو شائع، لم تكن مُمنهجة، بل انتقائية. وكانت الجهات المانحة تغض الطرف عن هذا الأمر، لأسباب سياسية.

وبقي النموذج على هذه الحال حتى أواخر عام 2007، عندما أخذ يشهد انتعاشًا ملحوظًا في أعقاب

الأزمة المالية والاقتصادية الحادة التي اجتاحت العالم. وكان وراء هذا الانتعاش، بشكل رئيس، الدفق المالي الكثيف الذي استدرجه الجهاز المصرفي اللبناني بواسطة أسعار الفائدة العالية الممنوحة للودائع. ومن جراء هذا الدفق، حقق الاقتصاد اللبناني معدلات نمو مرتفعة لم يعرفها من قبل. غير أن السنوات السمان الأربع التي عاشها النموذج، انقلبت بعد عام 2010 إلى سنوات عشر عجاف، أخذ يجف خلالها نبع التدفقات المالية الخارجية إلى لبنان، لأسباب عدّة، أهمها: التعافي من الأزمة المالية العالمية وانخفاض أسعار النفط الخام واحتدام الصراعات الدولية والإقليمية في المنطقة العربية وعليها، ولا سيما في سورية. هذا إضافة إلى تأجج الصراعات بين القوى السياسية وتدهور الأوضاع الأمنية، على الصعيد المحلي. ونتيجة لكل ذلك، بات للعجز المالي الداخلي (عجز الخزينة) توأم هو العجز المالي الخارجي (عجز ميزان المدفوعات)، ما أدى إلى هبوط معدل نمو الناتج السنوي من 10 في المئة إلى 2.5 في المئة. ولأن القوى السياسية كانت منصرفة في هذه الأثناء إلى إدارة صراعاتها البينية، تركت لحاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة، الإمساك عمليًّا بالسياستين المالية والاقتصادية، إضافة إلى السياسة النقدية. وفي هذا السياق، قدّم سلامة، من جهة، بعض الرزم التحفيزية للقطاع الخاص للاستثمار في قطاعات الإنتاج، وأجرى، من جهة أخرى، سلسلة من الهندسات المالية التي توخى من خلالها تغذية احتياطي مصرف لبنان من العملات الأجنبية بشكل مصطنع، وبمعدلات فائدة ربوية اقتُطِعَت من أموال المودعين.

ولمّا لم تأتِ هذه الإجراءات بالنتائج المرجوة، توسل لبنان انعقاد مؤتمر آخر للمانحين، فكان مؤتمر باريس 4، الذي عُقِد تحت مسمى “سيدر”، وأسفر عن تعهدات بمنح مساعدات للبنان، بلغ مجموعها حوالى11 مليار دولار. ولكن، لأسباب سياسية أيضًا، لم تكن الجهات المانحة مستعدة هذه المرة لغض الطرف عن عدم تنفيذ “الإصلاحات” النيوليبرالية المعروفة، كاملة. ولما استمر التقاعس عن بدء التنفيذ، أخذت بوادر أزمة مصرفية تظهر إلى العلن في بداية عام 2019.