*منقول عن منصة افكارـ عن نظريات العدالة / تاريخ 13 تشرين الثاني 2025
مقدمة
يمثل هذا الكتاب نقطة التقاء حاسمة في فهم التحولات النظرية التي أصابت الفكر الماركسي منذ سبعينيات القرن العشرين. فبينما كانت الماركسية الكلاسيكية ترتكز على تحليل الاقتصاد السياسي باعتباره البنية التحتية التي تفسر كل أشكال الوعي والثقافة والسياسة، يبرز في هذا الكتاب اتجاه جديد يرى أن الاقتصاد لم يعد وحده المحدّد النهائي للتاريخ، بل إن الخطاب، واللغة، والرموز، والتخييل الاجتماعي أصبحت مكونات أساسية لفهم السلطة والتغيير الاجتماعي.
إن الانتقال من ”الاقتصاد السياسي إلى تحليل الخطاب“ يعني تحوّل مركز الثقل من البنية إلى المعنى، ومن التفسير المادي للواقع إلى تفكيك تمثيلاته الفكرية. لم تعد السلطة مفهوماً اقتصادياً صرفاً، بل أضحت نسقاً متشعباً من الخطابات التي تنتج وتعيد إنتاج الهيمنة عبر اللغة والثقافة والإعلام. وهنا تتلاقى إسهامات لاكلو، موف، ودريدا في تحليل كيفية تشكّل ”الهيمنة“ كعملية لغوية وسياسية في آن واحد.
أما التحول ”من الصراع الطبقي إلى سياسات الهوية“، فيعكس إدراك ما بعد الماركسيين أن الفاعلين في التاريخ المعاصر لم يعودوا محصورين في طبقات اجتماعية محددة، بل في هويات متقاطعة: نسوية، إثنية، بيئية، وجندرية. فالنضال من أجل التحرر لم يعد يدور حول السيطرة على وسائل الإنتاج، بل حول الاعتراف والتمثيل والمشاركة الرمزية في المجال العام. وهكذا تتسع الماركسية لتصبح منظومة نقدية متعددة الأصوات، بدلاً من مشروع ثوري أحادي الخط.
وأخيراً، يمثل الانتقال” من الحتمية التاريخية إلى الفاعلية الخلّاقة“ رفضاً لفكرة أن التاريخ يسير وفق قوانين ضرورية نحو الشيوعية. فبدلاً من ذلك، يتم التركيز على قدرة الذوات والجماعات على خلق المعنى والتاريخ بصورة مفتوحة وغير قابلة للتنبؤ. وهنا تظهر أهمية مفاهيم كاستورياديس حول ”الخيال الاجتماعي المتخيِّل“، ودولوز وغاتاري حول”الرغبة المنتجة“كقوى خالقة للواقع.
من هذا المنظور، يصبح ماركس في الكتاب ليس “نظاماً تفسيرياً مغلقاً”، بل أفقاً نقدياً مفتوحاً يُلهم المفكرين في مساءلة الرأسمالية المعاصرة دون التقيد بأطره الصارمة. فـ“ماركس كقانون” يعني الخضوع للنموذج الجدلي-التاريخي بوصفه علمًا للتاريخ، بينما “ماركس كأفق نقدي” يرمز إلى بقاء روحه التحليلية حيّة في مواجهة كل أشكال اللامساواة والاستلاب، ولكن بأدوات ومفاهيم جديدة تستجيب لعصر العولمة وثقافة ما بعد الحداثة.
بعبارة أخرى، يكشف الكتاب عن تحول الماركسية من علم للضرورة إلى فنٍّ للنقد والتحرر، ومن عقيدة مغلقة إلى مشروع دائم لإعادة التفكير في العلاقة بين الإنسان، السلطة، والمعنى في عالم متغيّر.
الفكرة المركزية
يهدف الكتاب لجولز تاونشند وسايمون تورمي إلى تتبّع التحولات التي طرأت على الفكر الماركسي في النصف الثاني من القرن العشرين، من النظرية النقدية إلى ما بعد الماركسية. لا يُقدَّم “ما بعد الماركسية” هنا كمدرسة أو عقيدة بديلة، بل كفضاء فكري مفتوح يعيد مساءلة الماركسية نفسها، ويسائل قدرتها على تفسير الرأسمالية المعاصرة، الديمقراطية، والذاتية السياسية.
الفصول الأساسية أو المحاور الرئيسية
- من النظرية النقدية إلى ما بعد الماركسية: مقدمة
يعرض المؤلفان الخلفية العامة للتحول النظري بعد تراجع الأرثوذكسية الماركسية، وظهور الحاجة إلى إعادة التفكير في مفاهيم مثل الصراع الطبقي، الأيديولوجيا، والدولة في ضوء التغيرات الثقافية والسياسية بعد الستينيات.
- كورنيليوس كاستورياديس: الحمم البركانية والماركسية
يرى كاستورياديس أن الماركسية تحولت إلى نظرية مغلقة، وأن التحرر لا ينبع من قوانين التاريخ بل من الإبداع الذاتي للمجتمع. يدعو إلى “الخيال الاجتماعي المتخيِّل” كقوة مؤسسة للتاريخ.
- جيل دولوز وفليكس غاتاري: إعادة التفكير في المادية
يقدمان ماديةً جديدة ترفض الحتمية الاقتصادية، وتُعيد تعريف الرغبة باعتبارها طاقة إنتاجية قادرة على خلق أنماط من المقاومة خارج نموذج الطبقة.
- جان فرانسوا ليوتار: من القتال إلى المحادثة
يعلن ليوتار “نهاية السرديات الكبرى” ومنها الماركسية، ويقترح بدلاً من ذلك فلسفة “الاختلاف” والتعددية في مواجهة الخطابات الشمولية.
5ـ إرنستو لاكلو وشانتال موف: نحو ديمقراطية راديكالية خيالية
يطوران مفهوم “الخطاب السياسي” بوصفه ساحة بناء للهوية والصراع، ويطرحان مشروع “الديمقراطية الراديكالية” التي تجمع بين الحرية والمساواة خارج الإطار الطبقي.
6ـ النسوية بعد الماركسية: داخل الماركسية وضدها
يناقش هذا الفصل كيف استعادت النسويات بعض مفاهيم الماركسية (العمل، الهيمنة، الأيديولوجيا) مع نقدها لتجاهلها البعد الجندري والجنسي في تشكيل السلطة.
7 –أجنيس هيلر: الإنسانية الراديكالية وما بعد الحداثة
تدافع هيلر عن إعادة مركزية الإنسان والأخلاق في النظرية الاجتماعية، وترى في الحداثة مشروعاً غير مكتمل يمكن تجديده من منظور إنساني ناقد.
8 –يورغن هابرماس: التوفيق بين الحداثة والاستقلال والتضامن
يسعى هابرماس إلى تجديد الماركسية من خلال نظرية الفعل التواصلي، مؤكداً على أهمية العقل التواصلي والديمقراطية التداولية بديلاً عن الحتمية المادية.
9 – جاك دريدا: تفكيك الماركسية بأنواعها
يقدم دريدا في أطياف ماركس قراءة تفكيكية للماركسية، يرى فيها “شبحاً” لا يزال يطارد الحداثة، داعياً إلى استحضار روح العدالة الماركسية دون التمسك بنصها العقائدي.
10ـ الخاتمة: ما بعد الماركسية… إلى أين؟
يؤكد المؤلفان أن ما بعد الماركسية ليست قطيعة مع ماركس، بل استمرار نقدي لتراثه في ضوء تحولات الرأسمالية، العولمة، وتعدد الهويات السياسية.
الاستقبال النقدي
نال الكتاب تقديراً أكاديمياً لقدرته على تبسيط مفاهيم معقدة بلغة واضحة دون تفريط في العمق النظري. اعتُبر مرجعاً مكمّلاً لكتب مثل Post-Marxism: An Intellectual History وThe Politics of Post-Marxism، خصوصاً لطلاب النظرية السياسية والنقد الثقافي.
المغزى الفكري
يمثل الكتاب مرجعاً محورياً لفهم التحول من الاقتصاد السياسي إلى تحليل الخطاب، ومن الصراع الطبقي إلى سياسات الهوية، ومن الحتمية التاريخية إلى الفاعلية الخلّاقة. إنه توثيق لرحلة الفكر الغربي من “ماركس كقانون” إلى “ماركس كأفق نقدي مفتوح”.
نبذة عن المؤلفين
جولز تاونشند (Jules Townshend): أستاذ الفلسفة السياسية في جامعة مانشستر، بريطاني الجنسية، ولد عام 1945 تقريباً، عُرف بأبحاثه حول الماركسية والليبرالية.
سايمون تورمي (Simon Tormey): مفكر سياسي أسترالي وُلد عام 1963، يدرّس في جامعة سيدني، متخصص في النظرية السياسية المعاصرة، وما بعد الماركسية والحركات الاجتماعية الجديدة.
خلاصة نهائية
يقدّم الكتاب خريطة فكرية لمسار النقد الماركسي في عصر ما بعد الحداثة، حيث يتبدل التركيز من “تحليل البنية الاقتصادية” إلى “تفكيك الخطاب والسلطة”. إنه عمل موجّه لفهم كيف بقيت روح ماركس حيّة في أشكال جديدة من الفكر النقدي، رغم انهيار الأطر العقائدية القديمة.
موقع الكتاب ضمن تطور الفكر ما بعد الماركسي
يشغل الكتاب موقعاً وسيطاً ومفسّراً داخل الخريطة الكبرى للفكر ما بعد الماركسي، إذ لا يكتفي بعرض المفكرين الرئيسيين بل يكشف أيضاً المنطق الداخلي للتحول الذي قاد من ماركس الكلاسيكي إلى تعددية النظريات النقدية المعاصرة.
في هذا السياق، يمكن فهم موقعه مقارنةً بثلاثة اتجاهات محورية:
1ـ مع لاكلو وموف: من الطبقة إلى الخطاب
يلتقي الكتاب مع مشروع إرنستو لاكلو وشانتال موف في اعتبار الخطاب المجال الأساسي لتشكيل الهويات السياسية. فبدلاً من النظر إلى المجتمع كبنية طبقية ثابتة، يرى كلا العملين أن “الاجتماعي” هو نتيجة دائمة للتفاوض والصراع الرمزي. لكن تاونشند وتورمي يتجاوزان لاكلو وموف حين يشدّدان على بقاء البعد الأخلاقي والإنساني في النقد، وعدم اختزاله إلى لعبة لغوية محضة.
2 ـ مع آلان تورين: من الثورة إلى الفعل الاجتماعي الذاتي
يشترك الكتاب مع آلان تورين في رفض الحتمية التاريخية الماركسية، وفي التركيز على فاعلية الذوات وقدرتها على إنتاج المعنى من داخل المجتمع المدني لا من خارجه. غير أن المؤلفين يربطان هذا الفعل الذاتي بميراث الماركسية النقدي، بينما يميل تورين إلى تجاوزها جذرياً نحو سوسيولوجيا جديدة للحركات الاجتماعية.
3ـ مع بيار بورديو: من رأس المال الاقتصادي إلى رأس المال الرمزي
يقف الكتاب على تقاطع قريب من أطروحة بيار بورديو حول تنوّع أشكال رأس المال، حيث لم يعد التفاوت الاجتماعي يُفسَّر فقط بالملكية المادية أو الموقع الطبقي، بل أيضاً بما يسميه بورديو الرأسمال الرمزي والثقافي. يلتقي تاونشند وتورمي مع هذا التحول في توسيع مفهوم الهيمنة ليشمل البنى الرمزية للثقافة والتعليم واللغة، وهي عناصر تنتج وتعيد إنتاج اللامساواة بطريقة غير مباشرة. ومع ذلك، يختلف الكاتبان عن بورديو في رفضهما للنزعة البنيوية الصامتة التي تميل إلى تقليص agency الفرد إلى مجرد انعكاس للحقل الاجتماعي، إذ يؤكدان على الإبداع الذاتي والخيال السياسي كقوة قادرة على كسر منطق الحقول وإعادة ابتكار أشكال جديدة من المقاومة.
من خلال هذه المقارنات الثلاث، يتضح أن الكتاب يشكّل جسراً تفسيرياً بين الماركسية الكلاسيكية والمقاربات الثقافية والاجتماعية الجديدة.
فهو لا يرفض ماركس بقدر ما يعيد موضعة فكره ضمن شبكة أوسع من الإشكاليات: اللغة، الهوية، الثقافة، والسلطة. وبهذا المعنى، يعمل الكتاب كـ”خريطة إبستمولوجية” لمسار النظرية الاجتماعية الغربية في انتقالها من بنية الاقتصاد السياسي إلى تفكيك أشكال الخطاب والتجربة.
إن مساهمة الكتاب الكبرى تكمن في توضيح أن ما بعد الماركسية ليست مجرد امتداد نقدي أو نزعة ما بعد حداثية عابرة، بل مشروع لإعادة بناء الفكر التحرري نفسه في زمن تراجعت فيه الأيديولوجيات الكبرى. فالمؤلفان يضعان ما بعد الماركسية في حوار مفتوح مع مفاهيم الديمقراطية الراديكالية، والعقل التواصلي، والذات الخلّاقة، ليقدّما تصوراً جديداً للماركسية كـ«أفق نقدي متجدّد» لا كعقيدة منتهية.
* كتاب “المفكرون الاساسيون من النظرية النقدية إلى ما بعد الماركسية”*
تأليف :سيمون تورمي وجولز تاونشند
ترجمة : محمد عناني
الناشر :مركز المحروسة للنشر + المركز القومي
تاريخ النشر : 2016 ( الطبعة الاولى )
